"أنفاس مؤجلة".. "فينومينولوجيا" انكسار وترميم الروح في مجموعة "منال الجيار"
تستنطق الكاتبة "منال الجيار" عنوان النص"، وتضع المتلقي قبالة مجموعتها القصصية "أنفاس مؤجلة" ليتجاوز معها حدود الحكاية التقليدية، ويخوض رحلة تأملية عبر نسق برزخي بين الوجود، والعدم.
وتعيد في عنوانها تعريف "الأنفاس"- مفرد نفس – من كونه مجرد هواء يدخل ويخرج من الرئتين، إلى روح تسري في الإنسان، وتجدد طاقته الداخلية، وتشير في دلالة الجملة بالغة الكثافة إلى أن تعطلها/ تأجيلها لا يعني إلا تعليقًا في فضاء الانتظار، كإشارة مبكرة جدًا إلى حالة أبطال قصصها الذي تجمعهم حالة احتباس وجداني، نظير توقف مؤقت لحيواتهم قبالة الفقد الحاد، على أن يعيش المتلقي رحلة إطلاق سراح الأنفاس عبر النص.
عبر مجموعتها التي تأتي في ست وتسعين صفحة من القطع المتوسط/ وتضم ثماني عشرة قصة/ تنطلق الكاتبة نحو إعادة تشكيل وعي الذات بنفسها، وفي مقاربة "فينومينولوجية"/ ظاهراتية تبرز تشكيل العالم من واقع خبرة ذاتية لحظة اصطدام الشخص بالغياب.
وتمسك عبر نصوصها ذات الوحدة الواحدة القائمة على ثنائيات "الحداد/ الميلاد/ الفقد/ اللقاء/ الحاضر/ الماضي" بتلابيب الوعي بالحياة اليومية على حواف ذكرى المفقود، فلم يعد مجرد شخص غائب، وإنما حولته إلى نقطة مركزية تدور حولها حياتها، ونافذة تنظر من خلالها إلى الوقت، والأشياء، والأشخاص، كأن عالمًا جديدًا شيدته في سردها يستند إلى وطأة الوحدة.
ويتبين من خلال قصتها "انسحاب أنيق"/ مفتتح مجموعتها القصصية/ أن حياة معتادة وضعت ذات فجأة بين قوسين لتجريب، واختبار الألم الخالص، فيما تمتطي الكاتبة صهوة الحرف بمداد روحها المسكوبة داخل النص، وتصور الجسد على أنه موقع معاناتها الأولى، بعيدًا عن كونه وعاءً فيزيائيًا.
وتمضي "منال الجيار" بلغة أنيقة، وخاطرة متدفقة، تراوح بين الذاتي، والعام، وتحرك شخوصها في عوالم تقترن فيها الضيقات بالبراح، والانتكاس النفسي بإدراك الخلاص، والماضي بتراتبية آلامه، قبالة حاضر يستل أثر الفقد، ويروض شراسته.
وتجدد في نصها "لا تطلق سراحي" تجسيد الفقد ظاهراتية "كبت الأنفاس، وضيق الصدر، وتصلب الحركة (كنت أحتاج إلى ذلك كله. إلى حضن لا يسأل. ويد لا تعبث. فقط تحتوي". كأن الجسد هو الأداة الوجودية التي يختبر بها الأبطال رعب الفراغ، ومقاومة التلاشي، وتتجاوز الزمن الخطي الحتمي "دقات الساعة" إلى زمن نفسي داخلي.
وتفتح "منال الجيار" باب الحاضر على الماضي في قصة "سيد الكلمات"، يتداخلان بوعي زمني يجعل من الذكريات، والكلمات أداة لبقاء ماضيها مستمرًا، ويتحدى غيابًا بيولوجيًا مفروضًا، ثم يفتح نافذة على غياب متجدد "في كل مساء تجلس إيمان إلى نافذتها، تنظر إلى المطر، وتقول في سرها: ربما كان وهمًا، وربما كان قدرًا جاء ليعلمني أن بعض اللقاءات تكتب علينا لا لنبقى فيها، بل لنتذكرها حين تمطر".

بإيماءة سيكولوجية لشخصيات "أنفاس مؤجلة" تبدو المجموعة تشريحًا نفسيًا تصف بدقة أعراض مصاحبة للصدمة، يمكن مقاربتها عبر مفاهيم "نظرية التحليل النفسي" في صراع قائم طوال النص يتبدى في قصة "الحداد والميلاد" حيث عبورًا إيجابيًا من الانهيار الذاتي إلى الميلاد الجديد، كحالة من التسامي اللافت.
عكس ما تظهره بطلة قصة "غفوة خائنة" من إنكار لصد الصدمة المفاجئة، وهروب إلى اللاوعي، وحالم الأحلام، كملجأ دفاعي يتيح استمرار وجود الغائب، ترويضًا لشراسة الغياب العنيف.
وتعلي الكاتبة في قصتها "سيد الكلمات" من شأن الكتابة كأداة تعويضية لترميم انكسارات الروح، وتستحيل شحنات عاطفية مكبوتة لدى بطلة القصة "إيمان" إلى طاقة إبداعية تسد فجوة خلفها الفقد.
لا تحرك "منال الجيار" أبطالها في حيز جغرافي مفتوح طوال النص، وضعتهم جميعًا في أمكنة مغلقة "غرف/ ممرات/ عربة مترو/ زوايا منعزلة"، وعكست عبر تضييق مكاني حصارًا نفسيًا يتمدد، ويسبب اختناقًا وجوديًا للشخصيات، رغم ذلك أطلقت سردها في براح الأرواح إذ يأتيها من داخلها، عبر خبرة ذاتية، تاركة للمتلقي تعايشًا روحيًا يشتبك مع الطاقة الداخلية، ومغالبتها لأمكنة الغياب.
واعتمدت خلال مجموعتها على تقنيات استرجاع الذاكرة (فلاش باك)، لخلق تضاد درامي بين ثبات المكان، والزمن الخارجي، وغليان الحركة النفسية في الداخل، قبالة تراجع الحوار الخارجي "ديالوج" لإخلاء مساحة أرحب للحوار الداخلي "مونولج"، فأبطالها يمارسون بلا هوادة مساءلة الذات، ومناجاة النفس لمواجهة مصائرهم، ولعل ظهور الحوار الخارجي في بعض مناحي القصص يأتي مقتضبًا كما ظهر في قصتها "لا تطلق سراحي"، كأداة لتعرية الأزمات.
واستعملت الكاتبة لغة هامسة/ شاعرية مكثفة خالية من الاستعراض الإنشائي خلال نصوصها، استنطقت الجماد، وحبست الأنفاس، وارتدى الانسحاب معها ثوب الأناقة، وجاءت بنيتها الفنية غنية بالاستعارات الشفيفة، ولم يكن الحداد في نصها مظهريًا، وإنما ذا دلالة رمزية على عتمة الروح التي تتشوق بصيص ضوء يعيدها إلى الحياة.
جماليات النص عند "منال الجيار" تجاوزت البنية اللغوية، والتشريح النفسي لشخوصها، والدفق الوجداني الذاتي من "الإهداء" إلى نهاية المجموعة، إلى تكثيف جعل من القصص نصوصًا مفتوحة بـ"الفراغات"، والنقاط البيضاء "حسب نظرية التلقي واستجابة القارئ" لدى "إيزر".
فهي لم تعتمد المباشرة في شرح تفاصيل وأسباب الفقد، والغياب، وإنما استندت إلى شذرات شعوية، ومواقف مكثفة كما في قصتها "لمسة قدر"، وبالتالي تستطيع جعل المتلقي/ القارئ مشاركًا نشطًا طوال عملية القراءة، يملأ الفراغات من مخزونه الوجداني، وتجربته الشعورية.
وبالتالي نستطيع أن نقول: إن الكاتبة لم تبك المفقود في "أنفاسها" المؤجلة، غير أنها واصلت الاحتفاء بقدرة الموجود على ترميم ذاته، ومواصلة حياته، ولاشك أنها نجحت عبر أدوات سردية – ذاتية/ وجدانية- دون اكتراث بنسق السرد القصصي- في تعرية الفقد، وطرحه كطاقة تأملية واعية، كما أن الأنفاس رغم تأجيلها نظير الصدمة، يمكنها أن تعود وتتدفق في صدور أصحابها بميلاد جديد.