جوارٍ وخلائف (1)
صبح البشكنجية.. النافارية التى غزت بلاد الأندلس
نساء لم يجلسن على العرش لكن العرش لم يستقر إلا بهن
بلغنى أيها القارئ الكريم أنه كان فى قرطبة، فى أيام الحكم المستنصر بالله، جارية جاءت من أقاصى الشمال، من جبال البشكنس، حيث تبرد الريح وتقسو الصخور، سُميت فى القصر «صبح»، ولم يكن أحد يعلم أن هذا الاسم سيصير يومًا أثقل من التيجان، دخلت القصر صغيرة لا تملك إلا اسمًا، وخرجت من بابه قبل الأخير سيدةً تُقرأ باسمها الرسائل، وتُرسَم باسمها الأوامر.
فى زوايا التاريخ الإسلامى المظلمة، بعيدًا عن أضواء الخلفاء والسلاطين الذين ملأوا كتب السير، كانت هناك نساء أخريات، لم يحملن لقب «أمير المؤمنين»، ولم تُنقش أسماؤهن على العملات أو المنابر، لكنهن كن يمسكن، من وراء الستار، بخيوط القرار، جوارٍ دخلن القصور مسبيات أو مُشتريات، فخرجن منها حاكمات بلا تاج، أو شاعرات بلا منبر، أو صانعات لأثر لا يزال قائمًا حتى اليوم، لم تمنعهن قيود الرق ولا حدود الجوارى الاجتماعية من أن يصبحن، كل واحدة بطريقتها، جزءًا من نسيج التاريخ الذى يصعب فك خيوطه دون المرور بأسمائهن.
القصر نائم، لكن عينيها مفتوحتان، تسير الجارية «صبح» فى ممرات «الزهراء» المظلمة فى قرطبة، خطواتها لا تُصدر صوتًا تعلمت ذلك منذ سنوات، حين كان الصمت وسيلة بقائها الوحيدة، تتوقف أمام باب غرفة نوم ابنها النائم، الخليفة الطفل «هشام» المؤيد بالله أخر الخلفاء الأمويين فى بلاد الأندلس، الذى لا يعرف بعد أن مملكة كاملة تتقاتل عليه وهو نائم بين ذراعى دُماه، تضع يدها على الباب، تتنفس بعمق، وتهمس لنفسها: «الليلة، إما أن أخسر كل شيء.. أو أصنع رجلًا يسود العالم وأسوده معه».
ولتفهم كيف وصلت «صبح» إلى هذا المقبض، عليك أن تعود معى عشرين عامًا إلى الوراء؛ فى جبال البرانس الباردة، حيث تتصادم ممالك الشمال المسيحى مع حدود الأندلس، أُسرت فتاة صغيرة من قبيلة الباسك فى نافارا، لم تكن سوى واحدة من مئات الأسرى الذين تُشترى وتُباع، لم تبكِ، لم تتوسل، كانت تراقب فقط، بهدوء من يحسب. باعوها إلى قرطبة، عاصمة العالم آنذاك، كانت تعرف أن اسمها «أورورا» بلغة أهل الباسك، فترجم العرب اسمها إلى «صبح»، الاسم الذى أصبح أخطر ما يُهمس به فى أروقة الزهراء فيما تلا من سنوات.
لم تُلق «أورورا» إلى الظل كبقية الجوارى. بل دخلت «دار المدنيات»، تلك المدرسة الأسطورية التى أسسها «زرياب»، عبقرى الموسيقى الذى أتى من بغداد ليصنع لقرطبة ذوقًا لا يُضاهى، وهناك، بين أوتار العود والمعلقات من الشعر، لم تتعلم الفتاة صاحبة السبعة عشر عامًا كيف تُطرب الرجال فحسب، لكن تعلمت كيف تقرأهم، كل نظرة، كل صمت، كل ابتسامة مصنوعة على عين، فأتقنت كيف تفتح الأبواب المغلقة بكلمة فى اللحظة المناسبة.
كان الخليفة الحكم المستنصر رجل جِد فقط، لا يميل إلى اللهو ولا السمر، وكان يُفضل مكتبته على كل المجالس ويرى فيها كل السرور، وكان قد تجاوز الخمسين من عمره ولم ينجب لا ولدَ ولا بنتَ، رغم زوجاته الأربع وكل ما ملكت يمناه ويسراه من جوارٍ، لكن قلبه كان خاليًا، ولم تستطع واحدة منهن الوصول إليه، وفى ليلة ناشده حاجبه «المصحفى» حضور ليلة أُنس قيل أن فيها فتاة جاءوا بها من «نافارا» وأن صوتها يملك القلوب، لم يكن «المستنصر» متحمسًا للحضور، لكن «المصحفى» كان يعز على قلبه، وكيف لا.. وهو كان معلمه ومؤدبه فى القصر منذ أن وقف على قدميه فى بلاطه.
وافق «المستنصر» على حضور مجلس السمر، وكان ينوى فى نفسه الاقتصاد فى الوقت. وعندما تجهّز مجلس الغناء، جلس «المستنصر» بعيدًا خلف الستائر. فقد كان لا يحب الظهور؛ صحيح أنه امتلك الملك والسلطان وجمال القلب والعقل، لكنه لم يمتلك من حسن هيئة الرجال شيئًا، فكان كبير الوجه والجذع، قصير الساقين، ما حمله على الانحناء الدائم، ففضل السترة، لكنه عندما جاءه صوت «صبح» من قريب، أزاح الستارمن أمامه ونظر إليها، فظلت الفتاة البكشنجية تطرب والخليفة يستمع، حتى طلع النهار.
مراجع:
«ابن عذارى، المقرى، وابن حيان»