بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

ليالٍ بكى فيها المعلمون والطلاب وأولياء الأمور:

مناهج «هندسة» فى إبتدائى تربك الأسرة المصرية!

بوابة الوفد الإلكترونية

شكاوى من صعوبة الرياضيات واللغة العربية وجدول الضرب يتحدى عقول الصغار

معلمون: لم يتم تدريبنا عليها وفوجئنا بالكتب مثل الطلاب

خبراء يحذرون: التطوير يجب أن يكون تدريجيًا ويراعى مراحل النمو العقلى للأطفال

 

 

 

جلست أمام طفلتها التى لم تتجاوز التاسعة، تفرك كفيها حيرة أمام دفتر رياضيات تحول إلى «شفرات سرية»، بينما تتسلل الدموع بصمت على وجنتيها فى منتصف الليل بعد ساعات من الاستنزاف العصبى فوق واجبات تتجاوز مدارك الطفولة بسنوات ضوئية.

هكذا تحولت منازل أسر أطفال المرحلة الابتدائية إلى غرف عمليات متوترة، تتقاطع فيها صرخات أمهات عاجزات أمام مناهج جائرة، مع أنين معلمين يركضون داخل فصول مزدحمة لاهثين خلف خريطة زمنية صماء دون تأهيل مسبق، فى الوقت التى تقف منظومة التعليم أمام مفترق طرق بين ميزانيات مرصودة وأزمات هيكلية عاصفة، ترتفع أصوات الخبراء والبرلمانيين لتحذر من كارثة جيل يستنزف نفسيًا وماديًا، وسط تساؤلات ملحة حول مصير تكافؤ الفرص فى وطن تحول فيه حق التعلم الأساسى إلى سلعة باهظة لمن يدفع أكثر، بانتظار تحرك نيابى مرتقب يعيد بوصلة التعليم إلى نصابها الإنسانى والتربوّى.

 

صفحات تعجيزية

 

مآسى حقيقية تعيشها أسر أطفال مرحلة التعليم الأساسى بسبب المناهج التى وصفوها بأنها تصلح لطلاب الطب والهندسة، إذ تقول سارة محمد، ولية أمر تلميذة بالصف الثالث الابتدائى، بصوت يغلبه الإرهاق، «ابنتى تواجه صعوبة بالغة فى استيعاب مفاهيم الرياضيات الجديدة وبعض الدروس مفصولة تمامًا عن لغة الطفل اليومية وتحتاج إلى شرح وتدريبات مكثفة وطويلة حتى تستطيع الطفلة فهمها وتطبيقها بمفردها».

ولا تختلف المعاناة كثيرًا لدى منى أحمد، التى أكدت أن مذاكرة الرياضيات أصبحت تستغرق وقتًا طويلًا ومرهقًا للأعصاب، خاصة أن الطفل مطالب بحفظ جدول الضرب حتى 9 وحل المسائل المعقدة الموجودة فى الكتاب، ويأتى هذا فى وقت يعود فيه الطفل للمنزل خائر العقل، ويحتاج إلى إعادة شرح جذرى لنقاط عجز المعلم عن إنهاء شرحها وسط زحام الفصل، خاصة أن مستوى المسائل المطروحة يحتاج إلى تدرج منطقى يناسب أذهان الصغار.

ومن جهتها أوضحت هبة حمدى، أن الاعتراض ليس موجهًا ضد فكرة التطوير ذاتها بل لطريقة التطبيق، فنحن لسنا ضد التحديث، بل كنا سنرحب به إذا كان يصب فى مصلحة أبنائنا، لكننا وجدنا أن الموضوعات وطريقة عرضها لا تتناسب مع القدرات العقلية والاستيعابية للأطفال فى هذه المرحلة مع زيادة التدريبات.

أما فاطمة محمود، فأبدت عجزها قائلة، إنّ المشكلة تكمن فى أنها أحيانًا لا تستطيع مساعدة ابنها لأنها عاجزة عن استيعاب عدد كبير من الدروس المعقدة التى تقدم بطرق غريبة علينا فنضيع معًا بين صفحات الكتاب.

ولا تختلف حكاية منى أحمد، مع ابنها فى الصف الرابع الابتدائى الذى يعد كمنعطف مرعب فى رحلة التعليم الأساسى، وتروى منى مأساتها اليومية قائلة، الصف الرابع كابوس حقيقى وابنى فى مرحلة الطفولة البريئة لكنه أصبح يعانى من توتر عصبى واكتئاب مبكر بسبب المنهج والأرقام الكبيرة والمفاهيم الهندسية والحسابية المعقدة التى تفوق قدرات عقل طفل فى هذه المرحلة العمرية، مضيفة أنها تقضى ساعتين أو ثلاثة كل ليلة فى محاولة تبسيط الدرس وفى النهاية ينام ودموعه على وجنتيه لأنه لم يفهم الدرس، فالمنهج يعامل الطفل كأنه باحث أكاديمى لا طفل فى التاسعة يحتاج إلى اللعب والفهم التدريجى.

وتلتقط إسراء على، أطراف الحديث لتصف شعور القهر الذى ينتاب الأمهات العاملات وغير العاملات على حد سواء قائلة: نحن لسنا ضد التطوير لكن هذا يجب أن يُبنى على أساس استيعاب الطفل، فعندما تجد طفلًا فى التاسعة يقضى يومه الدراسى ثم يعود ليقضى أربع ساعات أخرى فى استيعاب طلاسم رياضية فهذه ليست تربية ولا تعليمًا، إنما إرهاب نفسى وفكرى، فالمنهج مصمم بطريقة تفترض وجود مدرس خصوصى فى كل منزل وهو ما يحملنا أعباء مالية ونفسية أكثر

وتختتم فاطمة محمود، ولية أمر، المشهد بكلمات تلخص معاناة كل أم قائلة: أنا مشكلتى أنى لا أعرف أصلًا كيف أقرأ هذه المناهج لأساعد ابنى، فحينما أفتح الكتاب أشعر أننى أمام شفرات سرية وليست مادة دراسية وأطفالنا فى الصف الثالث والرابع الابتدائى يتعرضون لضغط عصبى هائل ونحن كأمهات ننفطر كل يوم لأننا نريد أن ندعمهم فنكتشف أننا عاجزين تمامًا عن فتح باب الأمل لهم.

 

المدرسون: إحنا محتاجين اللى يفهمنا المناهج

 

الجانب الآخر للصورة يظهر من داخل الغرف التعليمية ليؤكد أحمد عبدالله، مدرس رياضيات بخبرة طويلة فى المرحلة الابتدائية، أن المنهج الحالى يأتى ضمن خطة وزارة التربية والتعليم لتطوير المناهج بالتعاون مع الخبرة اليابانية.

وأشار إلى أن الهدف الجوهرى يتجاوز التلقين التقليدى، فالتطوير يستهدف أساسًا بناء عقلية ناقدة وتنمية مهارات التفكير والفهم والتحليل والإبداع لدى الطلاب والابتعاد عن الحفظ الأعمى.

ويضيف المعلم محمود حسن، مشددًا على البعد الاستراتيجى للخطة، أن تطوير مناهج الرياضيات يأتى ضمن خطة متدرجة ومدروسة تشمل كافة الصفوف الدراسية وفلسفة المناهج لا تقتصر نهائيًا على تغيير شكل الكتاب المدرسى أو تبديل محتواه بل تمتد لتشمل تطوير أساليب التدريس داخل الفصل عبر أنشطة تفاعلية تكتسب من خلالها المهارات بصورة تدريجية.

وتضيف سارة محمود، معلمة اللغة العربية للصف الرابع الابتدائى قائلة: الحقيقة المرة التى لا يرغب أحد فى الاعتراف بها هى أننى أجلس كل ليلة مع أولادى فى البيت أذاكر كتاب القيم وموضوعات التعبير الجديدة تمامًا مثل ابنى الصغير، فلا توجد دورات تدريبية حقيقية تجهزنا لهذه النقلة، حيث فوجئنا بتسلم الكتب دون تدريب على المناهج الجديدة، لنجد أنفسنا مطالبين بشرح استراتيجيات تعلم حديثة لم نسمع عنها من قبل، وأشعر حقًا أننى طالبة فى امتحان دائم أقضى معظم وقتى فى محاولة فهم المادة بدلًا من الإبداع فى إيصالها.

ومن جهته، يوضح أحمد عبدالرازق، معلم رياضيات للصف الثالث الابتدائى، أن المشكلة ليست فى رفض التطوير فنحن أول من يرحب بكل ما يخدم عقول أبنائنا، ولكن الأزمة تكمن فى الاستعجال وغياب الإعداد.

وتلتقط مروة الشريف، معلمة رياضيات طرف الحديث لتقول، الضغط العصبى هائل لأن ولى الأمر ينتظر من المدرس أن يكون خبيرًا ومتمكنًا، بينما التوجيه الفنى يطالبنا بتحقيق نواتج تعلم مرتفعة، ونحن ندير العملية برمتها بمجهودنا الفردى مع غياب الدعم المؤسسى.

وتابعت: نلتقى أنا وزملائى فى غرفة المعلمين لتبادل الأفكار وحل الأسئلة الغامضة معًا كأننا فريق بحث علمى لا كمعلمين، وتختتم مؤكدة: إذا أردنا تعليمًا حقيقيًا ومثمرًا، فيجب أن يبدأ تدريب المعلم وتأهيله قبل الطالب بشهور طويلة.

 

تحذيرات

 

علميا حذرت الدكتورة ولاء شبانة، استشارى التربية وطرق التدريس الحديثة، من وجود خلل تأسيسى جسيم فى المنظومة التعليمية الحالية، مؤكدة أن فرض مناهج تعتمد على التفكير المجرد والحشو المفرط على أطفال مراحل التعليم الأساسى الأولى، كالصفوف الثالث والرابع الابتدائى، يضرب علم نفس النمو فى عمقه.

وأوضحت «شبانة» أن الأطفال فى سن الثامنة والتاسعة ما زالوا بحسب تصنيف «بياجيه» فى مرحلة «العمليات المحسوسة» التى تعتمد على التجربة والرؤية، وما يحدث حاليًا هو قفز فوق مراحل النمو العقلى بمنهج يفوق قدراتهم الاستيعابية، مما ينتج جيلًا حافظًا لمصطلحات لا يدرك معناها، ويقتل ملكة التفكير النقدى لديه.

وعلى الصعيد النفسى والعصبى، أكدت استشارى التربية أن الضغط اليومى المستمر بين المدرسة والواجبات التى تتجاوز طاقة الطفل الذهنية يمثل استنزافًا عصبيًا كاملًا، ويؤدى إلى كارثة حقيقية تتمثل فى قلق الطفولة المبكرة كأعراض التبول اللاإرادى وقضم الأظافر ونوبات البكاء، فضلًا عن تحويل التعليم من شغف للاكتشاف إلى مصدر «رهبة» وكراهية للمدرسة وتدنى تقدير الذات وشعور طفولى بالدونية والفشل.

وأضافت أن المعلم هو الضحية الأولى والمظلوم الأكبر فى هذه المنظومة، لعدم خضوعه لتدريب عملى حقيقى يؤهله لفهم فلسفة المناهج المستحدثة، ليجد نفسه مقيدًا بخريطة زمنية ضيقة تجعله يركض لإنهاء المنهج دون شرح أو مراعاة للفروق الفردية، متحولًا إلى مجرد موظف أرشيف ووثائق إدارية بدلًا من تأدية رسالته التربوية.

وأشارت إلى أن منظومة التقويم والمهام الأدائية والتقييمات المستمرة أفرغت الفصل من دوره وحولت المدارس إلى مجرد أماكن للدرجات، دافعة أولياء الأمور قسرًا نحو غرف الدروس الخصوصية. وأوضحت أن ظاهرة «توريث الأعباء المدرسية» للبيت مثلت أخطر ضربة لوظيفة الأسرة واستقرارها، حيث تتحول الأم بعد يوم عمل شاق إلى معلمة ومترجمة لمناهج مبهمة، مما ينقلب بعلاقتها مع طفلها من الحب والاحتواء إلى صراخ وتوتر مستمر وتدمير لدفء البيت المصرى.

واختتمت محذرة من أن هذه المناهج تكرس بوضوح لتمييز طبقى سافر يقضى على تكافؤ الفرص، لكونها تعتمد كليًا على قدرة الأسر المالية لجلب معلمين خصوصيين لفك شفراتها، مما يهدد بتحويل التعليم الأساسى من حق دستورى مجانى إلى سلعة حصرية لمن يدفع أكثر.

تقييم المناهج

أكدت النائبة سناء السعيد، عضو لجنة التعليم بمجلس النواب، أن هناك ضرورة ملحة لمراجعة وتقييم مناهج صفوف المرحلة الابتدائية الأولى، لاسيما الثانى والثالث والرابع، بما يتناسب مع المراحل العمرية للطلاب والقدرة الاستيعابية الحقيقية لأعمارهم الفطرية، مشددةً على أن إثقال عقول الأطفال بمناهج أكبر من طاقتهم لا ينمى قدراتهم بل يمثل عبئًا نفسيًا وماديًا مضاعفًا على الأسر.

وقالت النائبة لـ«الوفد»، إن وضع المناهج التعليمية يجب أن يستند إلى أسس علمية ويدار بواسطة خبراء متخصصين يدركون طبيعة كل مرحلة عمرية، محذرة من أن حجم المناهج الحالى يتجاوز الزمن المتاح للدرس، فضلًا عن عجز المعلمين عن مواكبته، وهو ما يضطر أولياء الأمور للجوء إلى الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية المتتالية التى تثقل دماغ الطفل فى مرحلة الطفولة وما قبل المراهقة.

وأشارت سناء السعيد إلى أن التحديات الهيكلية للعملية التعليمية لا تتوقف عند حدود المناهج، بل تمتد لتشمل أزمة عجز المعلمين وعدم استقرار أوضاعهم الوظيفية، لافتة إلى أن الاعتماد على «معلم الحصة» فى ظل تأخر مستحقاته أو ضعف أجره يؤدى إلى عدم استقرار المنظومة، وتغيير المعلمين باستمرار بطرق تدريس متفاوتة تضر بمصلحة الطالب أولًا وأخيرًا.

وفيما يتعلق بدور البرلمان، كشفت عضو لجنة التعليم عن إعدادها لحزمة من طلبات الإحاطة وخطوات الرقابة البرلمانية لطرحها مع انطلاق دور الانعقاد الجديد فى شهر أكتوبر. وأعلنت عن نيتها الدعوة لعقد جلسات استماع موسعة تضم الخبراء والتربويين والمختصين؛ للوقوف على أبعاد الأزمة الحقيقية، وبحث سبل صياغة رؤية متكاملة تضمن بناء جيل واعٍ وقادر على استيعاب تعليمه بشكل سليم ودون إجهاد غير مبرر.