حكاية وطن
6 أكتوبر حدث تاريخى
ستظل حرب السادس من أكتوبر المجيدة رمزًا خالدًا لقوة الإرادة المصرية وقدرتها على عبور كل المِحَن والتحديات والصعوبات. كما ستظل ذكرى النصر الذى حققته القوات المسلحة المصرية على الجيش الإسرائيلى، أعظم لحظات الفخر فى تاريخ الأمة العربية.
فجّرت الحرب والظروف التى نشبت فيها طاقة إنسانية لم يكن أحد يحسب لها حسابًا أو يخطر بباله أنها موجودة على هذه الدرجة من الاقتدار، وأعاد النصر للشارع العربى والمصرى ثقته فى ذاته بعد أن كانت تجتاحه حالة من الإحباط الشديد إثر نكسة 1967، والتى رافقها العديد من المظاهر الاجتماعية فى الوطن العربى.
على المستوى الاستراتيجى للحزب، انكسرت نظرية الأمن الإسرائيلى والتى تقوم على عدة مرتكزات هى التفوق الكيفى أمام الكم العربى، وضعف عربى عام بسبب الخوف وحرب الأعصاب ما يؤدى إلى وهن على مستوى اتخاذ القرار. أحدث انكسار هذه النظرية صدمة عسكرية وسياسية لم يسبق لها مثيل فى التاريخ القصير لدولة إسرائيل، وأدى ذلك بدوره إلى تفكيك تركيبة القيادة السياسية والعسكرية فى إسرائيل، وتمزق العلاقات فيما بينها وبدأت مرحلة تبادل الاتهامات وتصفية الحسابات.
على مستوى الرأى العام، أدى انكسار النظرية الإسرائيلية إلى سقوط أساطير إسرائيلية كثيرة على رأسها الجيش الإسرائيلى الذى كان أمل إسرائيل وموضع اعتزازها الأول، كما سقطت صورة المخابرات الإسرائيلية التى كانت غائبة على مسرح الأحداث بالمعلومات والكشف والتحليل. كما سقطت شخصيات إسرائيلية كانت مثل أصنام لدى الرأى العام الإسرائيلى ومنها جولدا مائير وموشى ديان، ووجدت إسرائيل نفسها مرغمة على الاستمرار فى عملية التعبئة العامة لدعم خطوطها العسكرية، وكان ذلك يعنى أن عملية الإنتاج الإسرائيلى فى الزراعة والصناعة والخدمات توقفت أو أصبحت على وشك التوقف.
استطاعت مصر من خلال موقفها القوى فى الحرب خلق رأى عام عالمى واضح مناهض للجبهة التى تساند، سواء فى المجال العسكرى أو السياسى. فقد أظهرت أهمية الإعداد الجيد وأن الإرادة والعزيمة يمكن أن تحقق المستحيل، وأعادت الحرب القضية الفلسطينية إلى الواجهة وأجبرت القوى العالمية على إعادة النظر فى مواقفها تجاه الصراع العربى الإسرائيلى، وأدت حرب أكتوبر إلى حدوث تغيرات فى نفوذ أقطاب القوة فى العالم، حيث تغير وضع السوڤيت فى مصر بقرار «السادات» بإنهاء عمل المستشارين السوڤيت خلال أحداث تحضيرات الحرب وإعادة العلاقات بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية، وقد عبر عن هذا الرأى الرئيس الفرنسى فى ذلك الوقت «بومبيدو» بقوله: «نحن نعرف أن العرب هم الذين بدأوا القتال، ولكن من يستطيع أن يلوم طرفًا يقاتل لتحرير أرض احتلها أعداؤه».
انتهت حرب أكتوبر عسكريًا وسياسيًا بانتصار مصرى كبير، حيث حققت مصر هدفها فى تحطيم خط بارليف واسترداد السيادة على جزء كبير من شبه جزيرة سيناء قبل استكمالها لاحقًا بالمفاوضات.
حملت حرب أكتوبر العديد من الدروس، كما أظهرت نتائج الحرب مدى التعاون بين الدول العربية والذى ظهر فى مساندة الدول العربية فى دعم مصر وسوريا فى حربهما ضد إسرائيل، ولعل من أبرز أوجه المساندة استخدام النفط العربى فى هذه الحرب.
واليوم.. وبعد مرور عقود على نصر أكتوبر لا يزال المصريون يحتفلون بهذا الحدث التاريخى الذى أعاد الكرامة للأمة العربية ورسخ مكانة مصر كقوة إقليمية قادرة على حماية أمنها القومى، ولا يجب أن تتوقف الدراسة عن هذه الحرب العظيمة وفهم تفاصيلها ليس لمجرد استعادة أمجاد الماضى، بل لأنها أيضًا مصدر إلهام للأجيال الجديدة فى مواجهة التحديات وصنع مستقبل أفضل.