تأملات
نتنياهو مجرم حرب.. ولكن!
كتبت حول هذه الفكرة من قبل، وأعيد التأكيد عليها وتناولها من زاوية مختلفة هذه المرة فى ضوء تطورات الموقف ليس إلا. الأمر يدور حول موقع نتنياهو فى إطار إدارة الحكم فى الدولة العبرية. قد لا يكون هو رئيس الوزراء الأكثر جدلا فى تاريخ دولة إسرائيل ولكن لا يمكن إنكار أنه ترك آثارا ربما لا تُمحى فى تاريخ المنطقة، من المؤكد أن زاوية النظر لهذه الآثار ستختلف سواء من قبل من هم داخل إسرائيل أو خارجها. هو فى تقديرى المسئول الأكثر انتهازية من بين أولئك الذين واجهناهم كعرب على مدى عقود الصراع مع إسرائيل. وعلى خلفية تلك الصفة وربما بسببها استطاع الرجل أن يظل فى قلب المشهد حاضرًا وبقوة على مدار ثلاثة عقود منذ توليه رئاسة الوزراء للمرة الأولى فى عام 1996.
المفارقة المدهشة فى ذكر نتنياهو هو قدرته على التلون والتعاطى مع الموقف السياسى بشكل يبقيه فى دائرة الضوء للحد الذى لا تملك معه سوى التساؤل حول كيفية امتلاكه كل هذه القدرة على إثارة الفرقة بين الحلفاء. الواقع والمواقف السياسية الدولية والعربية لا ترى فيه سوى أنه مجرم حرب ورغم ذلك فالرجل ليس لديه من حمرة الخجل ما يكفى لكى يتوارى بل يذهب لكى يخاطب العالم من على منبر المنظمة الدولية لينشر أكاذيبه بكل أريحية.
فى التعريف بالرجل قد لا نجد صعوبة فى الإشارة إلى أنه صاحب أكبر عملية إبادة بشرية فى تاريخنا المعاصر، تلك التى جرت وقائعها خلال الحرب على غزة ولم تغلق فصولها بالكامل. وربما عبر عن ذلك فى الآونة الأخيرة أفضل تعبير الرئيس التركى أردوغان ورئيس الوزراء القطرى الشيخ محمد بن عبدالرحمن. ففى كلمة ألقاها عقب اجتماع أسبوعى لمجلس الوزراء التركى أشار أردوغان إلى أنه «من المخجل أن يُفسح المجال لمجرمى الحرب لإلقاء كلمات تفوح منها رائحة الدماء والكذب على منبر الأمم المتحدة، فى وقت حُرم فيه الرئيس الفلسطينى محمود عباس من المشاركة». وفى موقف واضح وصريح راح رئيس الوزراء القطرى كذلك يشير إلى أن نتنياهو مجرم حرب باعتبار أن ما يتم فى غزة هو جرائم حرب وأن رئيس الوزراء الإسرائيلى مسئول عن هذا وهو مجرم حرب.
فى عملية تتسم بالجرأة حاول نتنياهو تجاوز تلك الحالة من الحصار وهو ما نجح فيه فى محاولة للإيحاء بعدم وجود حالة رفض شامل لشخصه وسياساته فكانت زيارته الأخيرة للإمارات التى تم الإعلان عنها من قبل الجانبين فى ظرف حرج تمر به المنطقة.
بعيدا عن تحليل أبعاد التباين العربى فى التعاطى مع الدولة العبرية وهو أمر فصلنا فيه من قبل فى العديد من الكتابات، وتحاول إسرائيل تعظيم عملية استغلاله لتحسين صورتها العامة، فإن النقطة التى يجب ألا تغيب عن ذهننا فى هذا الصدد هى عدم الفصل الشامل بين الشخص والكيان الذى يمثله، فحرب الإبادة ليست حرب نتنياهو وحده وإنما هى حرب الدولة الإسرائيلية بل والمجتمع الإسرائيلى فى معظمه. وإذا كان نتنياهو يملك من الصفات والطبائع الكثير التى تبقيه فى دائرة الحكم، فإن جانبا من تفسير وضعه الدولى القادر على مواجهة رفض العالم له، واستقباله بأريحية فى العديد من العواصم العالمية دون اعتقال حسب قرار المحكمة الجنائية الدولية أنه يمثل الدولة الإسرائيلية التى لا تعبأ كثيرا بنظرة الآخرين لها وتتصور أنها فوق القانون، وهو الجانب الذى من المؤكد أنه ليس لنا كعرب بشكل خاص أن نتهاون فيه.