قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. حين لا يكفي أن يصدر القانون
ليس كل تأجيلٍ تشريعي يعني تراجعًا عن الإصلاح، كما أن صدور قانون جديد لا يعني بالضرورة أن المنظومة أصبحت جاهزة لتطبيقه.
ومن هنا تأتي أهمية قرار مجلس النواب اليوم بتأجيل بدء العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 إلى الأول من أكتوبر 2027، بدلًا من الأول من أكتوبر 2026.
فالحديث هنا ليس عن قانون عادي يمكن أن يبدأ تطبيقه بمجرد نشره، وإنما عن قانون يمس جوهر العدالة الجنائية، وينظم الطريق الذي تسلكه الدولة منذ لحظة الاشتباه في ارتكاب الجريمة وحتى صدور الحكم والطعن عليه وتنفيذه.
وبالتالي فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تأجل القانون؟ وإنما: ماذا يجب أن يحدث خلال عام التأجيل حتى يكون التطبيق مستحقًا لهذا القانون؟
قانون يخرج من رحم قانون عمره أكثر من سبعين عامًا
قانون الإجراءات الجنائية الجديد يأتي ليحل محل قانون الإجراءات الجنائية الصادر عام 1950، بعد عقود شهدت تغيرًا جذريًا في مفهوم حقوق الإنسان، وضمانات المحاكمة العادلة، وطبيعة الجريمة، ووسائل الإثبات، والتكنولوجيا، وأشكال التعامل مع الأدلة والمعلومات.
ولهذا فإن أهمية القانون الجديد لا تكمن فقط في عدد مواده أو في استبدال نصوص بأخرى، وإنما في محاولته إعادة صياغة العلاقة الإجرائية بين سلطة التحقيق، وسلطة الاتهام، وسلطة الحكم، والمتهم، والمجني عليه.
وهنا تكمن حساسية قانون الإجراءات الجنائية؛ لأنه القانون الذي يحدد حدود السلطة عندما تواجه الجريمة، وفي الوقت ذاته يضع الضمانات التي تمنع تحول مكافحة الجريمة إلى مساس غير مشروع بالحرية أو الخصوصية أو حق الدفاع.
الحبس الاحتياطي.. الاختبار الأصعب
من أكثر الموضوعات حساسية في أي قانون للإجراءات الجنائية مسألة الحبس الاحتياطي.
فالحبس الاحتياطي بطبيعته ليس عقوبة، لأن العقوبة لا تكون إلا بناءً على حكم قضائي نهائي وفقًا للقانون، وإنما هو إجراء احترازي تفرضه مقتضيات التحقيق في الحالات التي يحددها القانون.
ومن هنا تأتي أهمية ما قرره القانون الجديد من تنظيم أكثر تفصيلًا لإجراءات الحبس الاحتياطي ومده واستئناف أوامره والإفراج المؤقت.
فالضمانة الحقيقية لا تكمن فقط في تحديد المدد، وإنما في وجود رقابة قضائية فعالة وسريعة على استمرار تقييد حرية الإنسان، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مقتضيات التحقيق وحماية الأدلة ومنع التأثير على الشهود أو العبث بمسرح الجريمة.
وهنا يجب ألا ننظر إلى المسألة باعتبارها صراعًا بين مصلحة المجتمع وحقوق المتهم؛ فالإجراءات السليمة هي التي تحقق الأمرين معًا.
استئناف أحكام الجنايات.. تغيير في فلسفة الطعن
ومن أبرز ما جاء به القانون الجديد تنظيم استئناف الأحكام الصادرة من محاكم الجنايات.
وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، لأن الحكم الجنائي، وخاصة في الجنايات، يرتبط بأشد الآثار التي يمكن أن تترتب على الإنسان.
ومن ثم فإن إتاحة مراجعة الحكم أمام درجة قضائية أخرى تمثل تطورًا مهمًا في البناء الإجرائي، لكنها في المقابل تفرض على المنظومة القضائية تحديات عملية كبيرة تتعلق بتوزيع الدوائر، ومواعيد نظر الطعون، وإدارة الملفات، وسرعة الفصل دون الإخلال بحقوق الدفاع.
وهنا مرة أخرى يظهر أن النص التشريعي وحده لا يكفي.
الدفاع ليس إجراءً شكليًا
ومن أهم ما يجب أن يُقرأ في القانون الجديد هو موقع المحامي وحق الدفاع.
فحق الدفاع ليس مجرد حضور محامٍ في الأوراق، وإنما هو منظومة متكاملة تبدأ من تمكين المتهم من معرفة الاتهام، وتمر بإتاحة الضمانات اللازمة لممارسة الدفاع، وتنتهي بمحاكمة تتوافر فيها شروط المواجهة الحقيقية بين الاتهام والدفاع.
ولهذا فإن نجاح أي قانون إجرائي يقاس، في جانب أساسي منه، بمدى قدرة المتهم ومحاميه على ممارسة حقوقهما فعليًا لا نظريًا.
التكنولوجيا.. عندما تصبح الوسيلة جزءًا من الضمانة
القانون الجديد يتجه كذلك إلى إدخال أدوات أكثر اتساعًا في استخدام التكنولوجيا والوسائل الإلكترونية في الإجراءات.
وهذا الاتجاه أصبح ضرورة، لكن التحول الرقمي في العدالة الجنائية يطرح أسئلة قانونية لا تقل أهمية عن الأسئلة التقنية:
من يملك الوصول إلى البيانات؟
كيف تُحمى سرية التحقيقات؟
كيف نتحقق من سلامة المحررات والإعلانات الإلكترونية؟
كيف نثبت أن الإجراء الإلكتروني تم في موعده وبالصورة التي حددها القانون؟
وكيف نضمن ألا يؤدي العجز التقني أو عدم تدريب أحد أطراف المنظومة إلى ضياع حق من الحقوق الإجرائية؟
هذه الأسئلة يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من مرحلة الإعداد قبل التطبيق.
لماذا عام كامل؟
عام التأجيل يجب ألا يكون مجرد فترة انتظار.
بل يجب أن يكون عام الجاهزية.
جاهزية المحاكم والنيابات.
جاهزية المحامين.
جاهزية القائمين على تنفيذ القانون.
جاهزية البنية الإلكترونية.
وجاهزية اللوائح والنماذج والإجراءات العملية.
والأهم من ذلك كله: اختبار القانون على أرض الواقع قبل أن يصبح تطبيقه إلزاميًا على ملايين المواطنين.
فالفجوة بين النص والتطبيق هي أخطر ما يمكن أن يصيب أي إصلاح تشريعي.
العدالة لا تُقاس بجمال النصوص
قد يكون لدينا قانون شديد التطور من الناحية التشريعية، لكن إذا لم تتوافر له آليات التطبيق، والتدريب، والبنية المؤسسية والتكنولوجية، فقد تظل بعض ضماناته حبيسة النص.
ولهذا فإن تأجيل النفاذ إلى أكتوبر 2027 ينبغي أن يضع أمام المشرّع ومؤسسات العدالة مسؤولية واضحة:
أن يكون العام القادم عام اختبار حقيقي، وليس مجرد تمديد زمني.
فالقانون الجديد لا يُختبر يوم نشره في الجريدة الرسمية، وإنما يوم يقف مواطن أمام سلطة التحقيق، أو يمثل أمام المحكمة، أو يمارس محامٍ حق الدفاع عن موكله، أو يطلب شخص مراجعة قرار يمس حريته.
هناك فقط نعرف هل تحولت النصوص إلى ضمانات حقيقية أم بقيت مجرد عبارات تشريعية.
كلمة أخيرة
إن قانون الإجراءات الجنائية هو أحد أهم القوانين التي تمس علاقة المواطن بالدولة؛ لأنه يرسم الحدود الدقيقة بين حق الدولة في العقاب، وحق الإنسان في الحرية، وحق المجتمع في الأمن، وحق المتهم في محاكمة عادلة.
ومن ثم فإن نجاح القانون الجديد لا يجب أن يقاس بسرعة دخوله حيز التنفيذ، وإنما بمدى قدرة الدولة على تطبيقه بصورة تحقق التوازن بين هذه المصالح جميعًا.
فالقانون الجيد ليس هو الذي يكتب أفضل النصوص فقط، وإنما هو الذي يستطيع أن يحول هذه النصوص إلى عدالة يراها المواطن ويشعر بها ويمارسها أمام القضاء.
وعام التأجيل الذي بدأ اليوم يجب أن يكون، قبل كل شيء، عام الاستعداد الكامل لتطبيق العدالة لا مجرد عام إضافي قبل سريان القانون.