بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الذكاء الاصطناعي.. سلاح بلا رصاصة يهدم الحقيقة

لم يعد أخطر ما في الذكاء الاصطناعي قدرته على صناعة الأشياء، وإنما قدرته على صناعة شيء أخطر: واقعٍ لم يحدث، ثم إقناع الناس بأنه حدث.

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد فكرة من أفلام الخيال العلمي، بل أصبح جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية؛ يكتب، ويترجم، ويحلل، ويجيب، ويصنع الصور والفيديوهات، بل ويدخل اليوم في مجالات يمكن أن تمس حياة الإنسان وحقوقه بشكل مباشر.

لكن وسط هذا الانبهار بالتكنولوجيا، يجب أن نتوقف قليلًا ونسأل:

هل نحن نستخدم الذكاء الاصطناعي… أم أننا بدأنا نمنحه ثقتنا دون حساب؟

المشكلة ليست في أن الذكاء الاصطناعي قد يخطئ؛ فالإنسان نفسه يخطئ. المشكلة أن الآلة تستطيع أن تقدم الخطأ في صورة إجابة واثقة، منظمة، ومقنعة، وهو ما يجعل اكتشافه أكثر صعوبة.

وهنا تبدأ الخطورة.

معلومة خاطئة قد تتحول إلى قرار، وتحليل غير دقيق قد يصبح أساسًا لحكم، ومحتوى مفبرك قد يتحول إلى حقيقة يتداولها الآلاف قبل أن يجد أحد الوقت للتحقق منه.

والأخطر من ذلك هو التزييف العميق (Deepfake).

اليوم لم تعد الصورة وحدها دليلًا كافيًا، ولا التسجيل الصوتي وحده ضمانًا للحقيقة، ولا الفيديو وحده حاسمًا في إثبات ما حدث.

أصبح بإمكان التكنولوجيا أن تصنع شخصًا يقول ما لم يقله، أو يظهر في مكان لم يذهب إليه، أو يفعل شيئًا لم يفعله.

وهنا لا نتحدث فقط عن مشكلة تقنية، بل عن أزمة تمس السمعة والخصوصية والحقوق والحقيقة ذاتها.

فإذا أصبح من الممكن اصطناع الدليل، فكيف سنميز بين الحقيقة والكذب؟

وإذا أصبح من الممكن تزوير الصوت والصورة والفيديو، فكيف سيحمي الإنسان نفسه من واقعة لم تحدث، لكنها صُنعت بإتقان حتى تبدو حقيقية؟

ثم يأتي خطر آخر ربما يكون أكثر قسوة على الإنسان العادي: مستقبل الوظيفة ومصدر الرزق.

فمع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، قد تنتقل بعض المهام والوظائف تدريجيًا من الإنسان إلى الآلة، خصوصًا الأعمال التي تعتمد على المهام المتكررة، أو معالجة البيانات، أو بعض الأعمال الإدارية والمحتوى والخدمات.

اليوم قد يكون الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تساعد الموظف، لكن ماذا يحدث عندما تصبح الأداة قادرة على القيام بالعمل بدلًا منه؟

ماذا سيحدث للإنسان الذي يستيقظ يومًا ليكتشف أن التكنولوجيا لم تعد تساعده في عمله، بل أصبحت تقوم بعمله؟

قد تختفي بعض الوظائف، وقد تظهر وظائف جديدة في المقابل، لكن الانتقال لن يكون سهلًا بالضرورة على الجميع.

فهناك فرق كبير بين أن توفر التكنولوجيا على الإنسان عناء بعض المهام، وبين أن يصبح الإنسان نفسه زائدًا عن الحاجة في وظيفته.

فالوظيفة بالنسبة للشركة قد تكون مجرد تكلفة يمكن خفضها، لكنها بالنسبة للإنسان راتب، وبيت، وأسرة، ومستقبل.

والآلة لا تحتاج إلى راتب، ولا إلى إجازة، ولا إلى ساعات عمل محددة، ولا إلى معاش عند نهاية الخدمة.

أما الإنسان، فقد تكون هذه الوظيفة مصدر رزقه الوحيد.

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:

هل نصنع تكنولوجيا توفر على الإنسان عناء العمل، أم تكنولوجيا قد يأتي يوم وتحرمه من حقه في العمل؟

ثم يأتي السؤال الأصعب:

من يتحمل المسؤولية عندما تستخدم هذه التكنولوجيا في اتخاذ قرار خاطئ يمس حياة إنسان؟

هل المسؤول هو المستخدم؟ أم المطور؟ أم الجهة التي اعتمدت على النظام؟ أم أن المسؤولية ستظل بلا صاحب واضح؟

هذه ليست أسئلة للمستقبل البعيد؛ إنها أسئلة بدأت تفرض نفسها مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي.

ولا يمكن تجاهل قضية الخصوصية. فكلما أصبحت الأنظمة أكثر قدرة على جمع وتحليل البيانات، أصبح الإنسان معرضًا لأن يتحول من مستخدم للتكنولوجيا إلى مادة تُحلَّل وتُصنَّف وتُراقَب.

وهنا يجب أن يكون القانون حاضرًا.

فالتكنولوجيا تتطور بسرعة، لكن حقوق الإنسان لا ينبغي أن تتراجع بالسرعة نفسها.

نحن لا نحتاج إلى حرب ضد الذكاء الاصطناعي، كما أننا لا نحتاج إلى منحه شيكًا على بياض.

نحتاج إلى قواعد واضحة، ورقابة حقيقية، ومسؤولية قانونية محددة، ووعي مجتمعي يرفض التعامل مع كل ما تنتجه الآلة باعتباره حقيقة مطلقة.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد الإنسان، لكنه لا يجب أن يلغي عقله.

يستطيع أن يقدم معلومة، لكنه لا يجب أن يصبح مصدر الحقيقة الوحيد.

يستطيع أن يقترح قرارًا، لكن المسؤولية في النهاية يجب أن تبقى على الإنسان.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تصبح الآلة أكثر ذكاءً من الإنسان، وإنما أن يصبح الإنسان أقل تفكيرًا لأنه وثق في الآلة أكثر مما ينبغي.

وفي النهاية، لن يكون التحدي الحقيقي هو أن نصنع آلات أكثر ذكاءً، وإنما أن نصنع إنسانًا أكثر وعيًا بمسؤوليته عن استخدامها.

فالتكنولوجيا بلا أخلاق قد تتحول إلى خطر،
والذكاء بلا مسؤولية قد يتحول إلى فوضى،
والوظيفة إذا استبدلتها الآلة أصبحت قضية اجتماعية، لا مجرد تطور تقني،
والحقيقة إذا أصبح من السهل اصطناع بديل لها… فقد تصبح هي الضحية الأولى.

فالذكاء الاصطناعي قد لا يحمل رصاصة، لكنه يستطيع أن يهدم الحقيقة، ويهدد الوظائف، ويغيّر شكل الحياة… دون أن يطلق طلقة واحدة.