بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

القرآن وصناعة الأمة الحضارية

من أعظم آثار القرآن الكريم أنَّه أعاد تشكيل الإنسان من حيث بوصلة وعيه، وقيمه، ووجهته، وولائه، مصداقًا لقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]، ثمَّ نُقِل هذا التوجُّهُ من مستوى الفرد إلى مستوى الجماعة: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: 43، 44]، حتَّى أنشأ أمَّةً جديدةً استطاعت أن تؤسِّس نموذجًا حضاريًّا متميِّزًا في التَّاريخ: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92].

وهنا يتجلَّى أحدُ أعظم وجوه الإعجاز الحضاري للقرآن الكريم، ويتمثَّل في تحقُّقه في الواقع من خلال الرِّسالة النبويَّة؛ حين نزل القرآنُ على أمَّةٍ كانت العصبيَّة القبليَّة أحدَ أبرز محدِّداتها الحياتيَّة، وعمَّت بها البلوى: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} [الرعد: 30]، فحرَّر القرآنُ الكريم انتماءَهم من أسر الدَّم والنَّسب وعصبيَّتهما إلى أنوار التَّوحُّد والوحدانيَّة: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [الزخرف: 24]، فأعاد بناءَ الإنسان على أساس العقيدة، والقيم، والعدل، والمسؤوليَّة، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].

ولم يُلغِ القرآنُ التنوُّعَ القبليَّ والاجتماعيَّ، الذي هو الوحدة الثَّانية بعد الفرد، وإنَّما أعاد تحديدَ وظيفته، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، فانتقل الاختلافُ من ميدان التنازع والتقاتل على مصدرٍ للماء أو نماءٍ للعشب إلى مجالٍ رحبٍ من التَّعارف والتَّكامل، والسَّبق إلى الله تعالى، في تكاملٍ واتِّحادٍ لم تعرف البشريَّةُ مثله، تمثَّل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنَا سَابِقُ الْعَرَبِ، وَبِلَالٌ سَابِقُ الْحَبَشَةِ، وَصُهَيْبٌ سَابِقُ الرُّومِ، وَسَلْمَانُ سَابِقُ فَارِسَ» [جامع معمر بن راشد، ح رقم: 20432].

ولا يدَّعي مُدَّعٍ، أو يتقوَّل متقوِّلٌ، أنَّ هذا التَّحوُّلَ كان مجرَّد تغييرٍ في الشِّعارات، أو ركوبٍ لموجة الزَّمان (الترند)، بل كان إعادةً لصياغة منظومة الإنسان في جميع أوضاعه؛ حتَّى أضحت الأخوَّةُ أوسعَ من رابطة النَّسب وأقوى منها، في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 72]. وقدَّم القرآنُ العدلَ على العصبيَّة؛ فحين نزلت: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58]، قال العبَّاس بن عبد المطَّلب للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: بأبي أنت وأمِّي يا رسول الله، أعطنا الحجابةَ مع السِّقاية. فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ على نبيِّه صلى الله عليه وسلم الآيةَ، فقال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: فما سمعتُها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل تلك السَّاعة، فتلاها، ثمَّ دعا عثمان بن طلحة، فدفع إليه المفتاحَ، وقال: «غَيِّبُوهُ»، ثمَّ قال: «خُذُوهَا يَا بَنِي أَبِي طَلْحَةَ بِأَمَانَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَاعْمَلُوا فِيهَا بِالْمَعْرُوفِ خَالِدَةً تَالِدَةً، لَا يَنْزِعُهَا مِنْ أَيْدِيكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ» [أخبار مكة للأزرقي: 1/111].

ومن مقوِّمات الحضارة أن جعل القرآنُ الشُّورى بديلًا عن الاستبداد، فوجَّه اللهُ تعالى نبيَّه فقال: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]، وجعل التَّقوى معيارًا للكرامة، والمسؤوليَّةَ المشتركة أساسًا للاجتماع؛ فتحوَّلت الأمَّةُ العربيَّة من مجرَّد تجمُّعاتٍ قبليَّةٍ متنافسةٍ متناحرةٍ إلى أمَّةٍ تحمل رسالةً مشتركةً: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]، وصولًا إلى الحضارة.

يقول الشيخ محمد الغزالي: «والحضارة الإسلاميَّة إنَّما جاءت ثمرةً لبناء القرآن للإنسان». فالنَّظرة السَّطحيَّة للحضارة تتَّجه إلى الأبنية والاتِّصالات والتِّكنولوجيا، أمَّا جوهرُ أيِّ حضارةٍ فهو ثمرةُ نمطٍ معيَّنٍ من فكر الإنسان؛ فإذا تغيَّر الإنسانُ في رؤيته لله، والكون، والحياة، والقيم، والآخر، تغيَّرت بالضَّرورة طبيعةُ المجتمع الذي يصنعه، والذي يشكِّل الحضارةَ التي تبقى عبر التَّاريخ.

ولا يشكُّ مرتابٌ في أنَّ الحضارةَ الإسلاميَّة امتدادٌ للحضارات السَّابقة عليها، وإلَّا ما استحقَّت أن تحمل الرِّسالةَ الخاتمةَ للعالمين، حتَّى تصل إلى النَّاس بيضاءَ نقيَّةً. ولم تكن مجرَّد تجميعٍ لتراث الأمم السَّابقة؛ إذ لو كانت كذلك لتأخَّرت عنهم، ولو حصل ذلك لكانت نموذجًا محاكيًا لإحدى تلك الحضارات. وإنَّما المحدِّد المنهاجيُّ لهذه الحضارة أنَّ «حضارة القرآن هي حضارة الإنسان»، الذي هو ثمرةُ تفاعلٍ بين الوحي والإنسان والكون؛ فأعاد القرآنُ تشكيلَ الإنسان، والإنسانُ أعاد تشكيلَ المجتمع، والمجتمعُ أنتج مؤسَّسات العلم، والقضاء، والتَّعليم، والوقف، والاقتصاد، والسِّياسة، ومن مجموع ذلك نشأ العمران، بل نشأت الحضارةُ.

ومن هيمنة القرآن الكريم أنَّه أنتج إنسانًا لا يكتفي بتلقِّي المعرفة؛ فأوَّلُ أمرٍ نزل من السَّماء: {اقْرَأْ} [العلق: 1]، وإنَّما يدعوه إلى النَّظر في الكون، واكتشاف سننه، وتسخير موارده في عمارة الأرض: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5]. فكانت المعرفةُ ليست غايةً ذهنيَّةً، وإنَّما تحوَّلت إلى واقعٍ من العلم والعمل والعمران، بهُدَى وهَدْي القرآن الذي: {يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9]. فغيَّر العملُ بالقرآن الكريم الواقعَ السِّياسيَّ، وأسهم في بناء جيلٍ ليس ولاؤه للأرض الضَّيِّقة، بل للرِّسالة العالميَّة، وانتقل به من العصبيَّة النسبيَّة إلى الأخوَّة الإسلاميَّة، ومن التنازع على الفتات إلى التَّعاون على الوصول إلى ربِّ السَّماوات والأرض، ومن الانفعال بالواقع والانبهار به إلى القدرة على التَّأثير فيه.

والخلاصةُ: أنَّ القرآنَ قد صنع من الإنسان أمَّةً، ومن القبائل أمَّةً، ومن الأفراد جيلًا، ومن الجيل حضارةً؛ إذن، فالتَّحدِّي المعاصرُ هو استعادةُ منهج بناء الإنسان الذي أنتج تلك الحضارة، لا مجرَّد استحضار مظاهرها التَّاريخيَّة والبكاء على أطلالها.

وصلَّى اللهُ وسلَّم على معلِّم النَّاس الخيرَ، المتوَّج بتاج قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.

بقلم الدكتور أحمد بيبرس عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية