كلمات
حسام حسن.. إنذار
قف قليلاً أمام ما حدث مع حسام حسن - المدير الفني للمنتخب المصري - بعد مباراة أنجولا مؤخراً.. تأمل المشهد بعناية، ودقق فيه النظر، وفكر فيما وراء ما تراه عيناك وتسمعه أذناك..
وإذا فعلت، ستجد نفسك أمام ظاهرة تتجاوز شباك المرمى، و«تكتيكات المدربين»، وتحليلات المحللين، وحدود الملاعب كلها..
ستجد نفسك أمام مرآة تكشف ما نخفيه تحت جلودنا، وما تكنه قلوبنا، وما يعشش في عقولنا..
وحتى ترى الصورة كاملة، عد قليلاً إلى الوراء.. قبل أسابيع معدودات.. وقتها – نحن أنفسنا – هللنا وكبرنا وقلنا إن المستحيل ليس مصرياً.. بعدما رأينا المنتخب الوطني في كأس العالم، يلعب برجولة ويقف نداً لأكبر منتخبات الأرض، بما فيها الأرجنتين عملاق الكرة العالمية..
وساعتها رفعنا حسام حسن على الرؤوس، ووصل الحال لدرجة أن البعض طالب بأن نشيد له تمثالاً في أكبر ميادين مصر، وأن يتم تدريس سيرته في المدارس..
وبعد رفعه لعلم فلسطين، عقب إحدى مباريات كأس العالم، صار الرجل أيقونة للعروبة والكرامة على أرض المستطيل الأخضر، وصارت كلمته الشهيرة «نو فير (No Fair)» أي (لا عدالة) شعاراً يتردد على كل لسان، و«ترينداً» يردده الملايين فخراً واعتزازاً..
ثم ماذا جرى؟
بلمح البصر، وبسرعة مذهلة، نسينا كل ذلك، وتلاشى كل شيء من رؤوس الناس، فعقب مباراة أنجولا شن الجميع هجوماً ضارياً على الرجل، ونصبوا له المشانق، وأطلق الجميع سهامهم المسمومة إليه.. لماذا؟.. بسبب «تغيير لاعب»؛ وهو أبسط الحقوق البديهية لأي مدير فني في تاريخ اللعبة! وبسبب «عبارة» قالها عن لاعب، وحمّلوها أكبر مما تحتمل، وأوّلوها أكبر مما تطيق.. وطالب البعض بإبعاده عن المنتخب، والتخلص منه!
ماذا يكشف ذلك؟
يكشف أن العقل الجمعي للمجتمع ينسى سريعاً الفضل لصاحب الفضل، وأنه يعين نفسه قاضياً وجلاداً في الوقت نفسه، وأننا نعيش حالة زكام أخلاقي، فإذا عطست صفحة «فيسبوك» برأي ما أو سب ما أو قذف ما أو اتهام ما، تتداعى لها باقي الصفحات بسب أكثر وقدح أكبر وشتم أفظع.. وحتى من لم يصبه دور الزكام فإنه يكتفي بارتداء كمامة ويسكت ويصمت.. وهذا بالضبط ما فعله العقل الجمعي للمجتمع مع حسام حسن.
وما حدث مع حسام حسن إنذار.. يكشف لنا خبايا المجتمع الذي نعيشه.. يكشف لنا أننا مجتمع صار يتحول من النقيض إلى النقيض، بسرعة مذهلة وبدون سبب منطقي، وصار النقد الهدام هو الصوت الأعلى، وغابت موضوعية الرؤية، وارتضى العارفون ببواطن الأمور الصمت إما خوفاً وإما استسهالاً أو إيثاراً للسلامة!
هكذا صرنا مجتمعاً يحترف الهدم، ويستعذب الظلم.. وتلك كارثة الكوارث!