سيرة القديس غريغوريوس الأرمني.. حين صار الجُب موضع نجاة
في أعماق جُب مظلم حيث لا يصل ضوء ولا يسمع إلا صدى الصمت، بدأت واحدة من أكثر صفحات السيرة قداسة وإيمانًا، فبينما ظن الملك أن إلقاء غريغوريوس الأرمني في الجُب سيكون نهاية حياته، كان المكان ذاته شاهدًا على عناية إلهية امتدت لأربعة عشر عامًا، حتى خرج منه حيًا ليبدأ فصلًا جديدًا من جهاده وخدمته.
وتُحيي الكنيسة، اليوم الثلاثاء 29 سبتمبر الموافق 19 توت حسب التقويم القبطي، تذكار إصعاد القديس غريغوريوس الأرمني من الجُب، مستحضرة قصة قديس ارتبطت سيرته بالصبر والثبات أمام الاضطهاد، وبإيمان لم تذل منه سنوات العزلة والجوع والعطش.
ولد غريغوريوس من سلالة ملكية في أرمينيا، إلا أن حياته لم تبدأ في أجواء القصور، فقد قتل والده وهربت به مربيته مع أخيه إلى "قيصرية الكبادوك"، حيث نشأ في حياة التقوى والقداسة إلى جانب نبوغة في العلم والفلسفة.

ومع مرور السنوات خدم غريغوريوس في بلاط الملك تريداته، إلى أن جاء اليوم الذي اختبر فيه إيمانه بصورة مباشرة، فأمره الملك أن يقدم ذبيحة للأوثان، فأعلن غريغوريوس مسيحيته ورفض أن يتراجع عن إيمانه، وأثارموقفه غضب الملك، فأمر بتعذيبه غبر أن الله بحسب سيرته كان يحفظه ويشفيه من الامه.ومع استمرار رفضه الخضوع صدر الحكم بإلقائه في جب عميق، ليترك هناك حتى يموت جوعًا وعطشًا.
وتحول الجب الذي أراده الملك نهاية لحياة غريغوريوس إلى موضع اختبر فيه القديس معني العناية الإلهية فقد حفظة الله في الجب، واعد له امرأة عجوزًا رأت في رؤيا من يأمرها بأن تصنع خيرًا وتلقيه إليه، وظلت تفعل ذلك طوال أربعة عشر عامًا، حتى بقى القديس حيًا رغم قسوة المكان وطول السنوات.
وبعد هذه السنوات، أصاب الملك مرضًا شديدًا، ولم يجد علاجًا لمرضه وفي تلك الأثناء ظهر ملاكًا لأخته، وأعلن لها أن شفاء أخيها مرتبط بإصعاد غريغوريوس من الجُب.
وفي الصباح، أخبرت أخت الملك رجال الدولة بما رأته فذهبوا إلى الجب وألقوا حبلاً ليصعدوا غريغوريوس، فإذا به يخرج حيًا بعد أربعة عشر عاما قضاها في ذلك المكان، لتستقبله الجماهير باحتفال عظيم.
ولم ينسى غريغوريوس ما اختبره من أذى الملك، لكنه لم يحمل في قلبه روح الانتقام إذ طلبت منه أخت الملك أن يصفح عن أخيها وأن يصلي من أجل شفائه، فاستجاب، وصلى إلى الله، وسقى الملك، مع بقاء علامة في جسده تذكره بنا صنعه في الماضي.
وفي النهاية، لم تكن قصة غريغوريوس مجرد حكاية عن قديس خرج من جب، بل شهادة على سنوات طويلة من الثبات، فالمكان الذي أعد ليكون قبرا له، صار شاهدا على حياته، والخوف الذي أراد الملك أن يزرعه في قلبه لم ينجح في أن ينتزع منه إيمانه.
كما تروي الكتب التراثية التي احتفظت بسيرة هذا القديس، أن الكنيسة تذكر جهاده ونياحته، تحت اليوم الخامس عشر من شهر كيهك.
وتبقى سيرة القديس غريغوريوس الأرمني، في تذكار إصعاده من الجب، واحدة من السير التي تختصر معنى الرجاء في أقسى الظروف، حين يبدو الطريق مغلقًا، وتبدو النهاية محسومة، بينما يظل الايمان يرى في قلب الظلمة بابًا لم يفتح بعد.