بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حماية البيئة في الدستور المصري

إنَّ معركةَ البقاء لم تعد تقتصرُ على بناء الاقتصاد أو تحقيق الأمن فحسب، بل امتدَّت لتشمل حماية البيئة التي نعيش فيها؛ فقد شهد مفهومُ الحقوق البيئيَّة في مصر تطوُّرًا تشريعيًّا كبيرًا، تحوَّل فيه الحفاظ على الطَّبيعة من مجرَّد ترفٍ فكريٍّ إلى واجبٍ وطنيٍّ وحقٍّ أصيلٍ لكلِّ مواطن، تضمنه الدَّولة وتصونه للأجيال القادمة.

فقد خلا دستور عام 1971م، في صيغته الأصليَّة، من أيِّ نصٍّ صريحٍ يضمن حق المواطن في بيئةٍ صحيَّةٍ سليمةٍ، غير أنَّ التَّحوُّلَ الجذريَّ بدأ مع تعديل عام 2007م، الذي مثَّل حجرَ الأساس بإضافة مادَّةٍ صريحةٍ تؤكِّد أنَّ حماية البيئة واجبٌ وطنيٌّ، وأنَّ القانونَ ينظِّم التَّدابيرَ اللازمة للحفاظ على البيئة الصالحة، لتبدأ البيئةُ في احتلال مكانتها اللَّائقة على أجندة الدَّولة.

ومع صدور دستور 2012م، تقدَّم المفهومُ البيئيُّ خطواتٍ واسعةً إلى الأمام؛ فلم يكتفِ بالنَّصِّ على الحقِّ في بيئةٍ صحيَّةٍ سليمةٍ، واستخدام الموارد بما لا يضرُّ بالبيئة أو بحقوق الأجيال القادمة، بل ربط بوضوحٍ بين حماية البيئة وتحقيق الأمن الغذائيِّ، من خلال حماية الرُّقعة الزِّراعيَّة وتنميتها، إلى جانب حماية الثَّروة السَّمكيَّة والحيوانيَّة والنَّباتيَّة، والمحميَّات الطَّبيعيَّة، مع التَّأكيد على أنَّ الثَّرواتَ الطَّبيعيَّة ملكٌ للشَّعب، والتزام الدَّولة بحسن استغلالها.

ثمَّ جاء دستورُ 2014م، وتعديلاته اللاحقة، ليتوِّج هذه المسيرةَ برؤيةٍ أكثر شمولًا وعمقًا؛ إذ ربط بين حماية الرُّقعة الزِّراعيَّة وتجريم الاعتداء عليها، وتنمية الرِّيف ورفع مستوى معيشة سكَّانه وحمايتهم من المخاطر البيئيَّة، فضلًا عن المزج الواعي بين حماية البيئة ومفهوم التَّنمية المستدامة. فنصَّت المادَّةُ (46) بوضوحٍ على أنَّ: «لكلِّ شخصٍ الحق في بيئة صحيَّةٍ سليمة، وحمايتها واجب وطني. وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليها، وعدم الإضرار بها، والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعيَّة بما يكفل تحقيق التنمية المستدامة، وضمان حقوق الأجيال القادمة فيها».

حماية الشرايين الحيوية للوطن

وتكاملت هذه المنظومةُ بحماية الشَّرايين الحيويَّة للوطن، من خلال الالتزام الدُّستوريِّ بحماية نهر النِّيل، وعدم إهدار مياهه أو تلويثها، وحماية المياه الجوفيَّة؛ فقد نصَّت المادَّةُ (44) من دستور 2014م على أن: «تلتزم الدولة بحماية نهر النيل، والحفاظ على حقوق مصر التاريخية المتعلقة به، وترشيد الاستفادة منه وتعظيمها، وعدم إهدار مياهه أو تلويثها، كما تلتزم الدولة بحماية مياهها الجوفية، واتخاذ الوسائل الكفيلة بتحقيق الأمن المائي، ودعم البحث العلمي في هذا المجال».

ولم تتوقَّف المكتسباتُ البيئيَّة عند هذا الحدِّ، بل تجلَّت في مفاهيم عصريَّةٍ بالغة الأهميَّة، مثل «نوعيَّة الحياة» الواردة في المادَّة (78)، والتي تجسَّدت في إعداد استراتيجيَّاتٍ وطنيَّةٍ للإسكان تراعي الخصوصيَّة البيئيَّة، والتَّخطيط العمرانيَّ الشَّامل للقرى والمدن؛ فقد نصَّت على أنَّ: «تكفل الدولة للمواطنين الحق في المسكن الملائم والآمن والصحي، بما يحفظ الكرامة الإنسانيَّة ويحقق العدالة الاجتماعيَّة، وتلتزم الدولة بوضع خطة وطنيَّة للإسكان تراعي الخصوصيَّة البيئيَّة».

وخلاصةُ القول، إنَّ الدساتير المصرية لم تكن مجرَّد نصوصٍ جامدةٍ، بل كانت مرآةً حيَّةً تعكس تطوُّرَ الوعي البيئيِّ لدى الدَّولة والمجتمع. واليوم، لم يعد الحفاظُ على البيئة رفاهيَّةً اختياريَّةً، بل هو صمامُ أمان الحاضر، وجسرُ العبور الآمن نحو مستقبل الأجيال القادمة.

بقلم الدكتور ضياء الدين صبري حسن - عضو مركز الأزهر العالمي للرصد والفتوى الإلكترونية