أحمد رزق يكتب: شكر النعم الإلهيه.. منظور إسلامي للحفاظ على الموارد الطبيعية
في عالمٍ تتسارع فيه وتيرةُ الاستهلاك، وتتزايد فيه الضغوطُ على الماء والطَّاقة والغذاء، لم تعد قضيَّةُ الحفاظ على الموارد الطبيعية ترفًا فكريًّا أو مطلبًا بيئيًّا ثانويًّا، وإنَّما أصبحت مسؤوليَّةً إنسانيَّةً وأخلاقيَّةً تتعلَّق بمستقبل الأجيال القادمة.
وإذا كانت النُّظم الحديثة قد صاغت لهذه المسؤوليَّة مفاهيمَ مثل: التنمية المستدامة، وترشيد الاستهلاك، وحماية البيئة؛ فإنَّ المنظورَ الإسلاميَّ قدَّم قبل ذلك بقرونٍ طويلةٍ رؤيةً متكاملةً تجعل الإنسانَ مسؤولًا عن النِّعمة، ومطالبًا بحسن التَّعامل معها، وعدم إفسادها أو استنزافها.
إنَّ نقطةَ الانطلاق في التَّصوُّر الإسلاميِّ هي أنَّ الكونَ ليس ملكًا مطلقًا للإنسان يتصرَّف فيه كيف شاء، وإنَّما هو نعمةٌ من الله تعالى، وقد استخلف الإنسانَ فيه ليعمِّره وفق منهجٍ يحفظ التَّوازنَ ويمنع الفسادَ. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. وهذه الخلافةُ إنَّما هي تكليفٌ ومسؤوليَّةٌ، تقتضي أن يتعامل الإنسانُ مع ما في الأرض من موارد باعتبارها أمانةً، وأن يؤدِّي حقَّها كما يؤدِّي حقوقَ سائر الأمانات.
قد يظنُّ بعضُ النَّاس أنَّ معنى الشُّكر هو قولُ اللِّسان فقط، مع أنَّ الشُّكرَ في المفهوم الإسلاميِّ أوسعُ من ذلك وأعمقُ؛ فهو اعترافٌ بالقلب، وحمدٌ باللِّسان، واستعمالٌ للنِّعمة فيما يرضي الله تعالى. ومن هنا فإنَّ المحافظةَ على الموارد الطبيعيَّة صورةٌ عمليَّةٌ من صور شكر الله على نعمه.
فالماء مثلًا نعمةٌ عظيمةٌ لا تستقيم الحياةُ من دونها، وقد نبَّه القرآنُ إلى مكانتها بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30]. ولذلك فإنَّ الإسرافَ في استهلاك الماء أو تلويث مصادره لا يتَّفق مع حقيقة الشُّكر؛ لأنَّ شكرَ النِّعمة يقتضي صيانتها وحسن الانتفاع بها. وقد جاء التَّوجيه النبويُّ واضحًا في النَّهي عن الإسراف، حتَّى في العبادات؛ فعن عبد الله بن عمرو، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بسعدٍ، وهو يتوضَّأ، فقال: «مَا هَذَا السَّرَفُ؟» فقال: أفي الوضوء إسرافٌ؟ قال: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ»( ). فالمعنى الذي يقرِّره هذا التَّوجيه النبويُّ أنَّ وفرةَ المورد لا تبرِّر إهدارَه، وأنَّ المسلمَ مطالبٌ بالاعتدال حتَّى عندما يكون الموردُ متاحًا.
أبرز المبادئ القرآنية التي تؤسس لمنهج بيئي رشيد
إنَّ من أبرز المبادئ القرآنيَّة التي تؤسِّس لمنهجٍ بيئيٍّ رشيدٍ قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. فالآيةُ، وإن جاءت في سياق الطَّعام والشَّراب، فإنَّ قاعدةَ النَّهي عن الإسراف تمتدُّ إلى مختلف مجالات الحياة. والإسرافُ لا يعني فقط تجاوزَ الحاجة، بل يشمل كذلك سوءَ استخدام الموارد وإهدارها، سواءٌ أكانت ماءً، أم غذاءً، أم طاقةً، أم أرضًا، أم غير ذلك. وفي عصرنا الحديث، تتجلَّى صورُ الإسراف في هدر كميَّاتٍ كبيرةٍ من الطَّعام، والاستهلاك المفرط للطَّاقة، والاستخدام غير الرَّشيد للمياه، والإفراط في إنتاج النُّفايات، والاستهلاك الذي يتجاوز الحاجةَ الحقيقيَّة للإنسان.
إنَّ الاقتصادَ في استخدام الموارد ليس بخلًا ولا حرمانًا للنَّفس من الطَّيِّبات، وإنَّما هو اعتدالٌ يوازن بين الانتفاع بالنِّعمة والحفاظ عليها. ولذلك جاء الإسلامُ وسطًا بين الإفراط والتَّفريط، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67].
ولم يقف التَّصوُّرُ الإسلاميُّ عند الدَّعوة إلى ترشيد الاستهلاك، بل تجاوز ذلك إلى النَّهي الصَّريح عن إفساد البيئة ومكوِّناتها. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56]، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 77].
والفسادُ في الأرض مفهومٌ واسعٌ يدخل فيه كلُّ سلوكٍ يؤدِّي إلى الإضرار بمصالح النَّاس أو اختلال التَّوازن الذي أقامه الله في الكون. ومن ثمَّ، فإنَّ تلويثَ الأنهار والبحار، وتجريفَ الأراضي الزِّراعيَّة، والإضرارَ بالغابات، وإتلافَ الحياة البرِّيَّة، وإهدارَ الموارد الطبيعيَّة، كلُّها ممارساتٌ تتعارض مع مبدأ الإصلاح الذي دعا إليه القرآنُ الكريم.
وقد وصف القرآنُ الكونَ بأنَّه قائمٌ على ميزانٍ دقيقٍ، فقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7-9]. وفي هذا التَّصوير القرآنيِّ إشارةٌ عميقةٌ إلى أنَّ الحياةَ تقوم على التَّوازن، وأنَّ العبثَ بهذا التَّوازن ينعكس ضررُه على الإنسان والبيئة معًا.
قد تبدو قضايا البيئة، في أحيانٍ كثيرةٍ، مرتبطةً بالدُّول والمؤسَّسات والمصانع والمشروعات الكبرى، لكنَّ الإصلاحَ الحقيقيَّ يبدأ أيضًا من السُّلوك اليوميِّ للفرد. فإغلاقُ صنبور الماء بعد الاستخدام، وترشيدُ استهلاك الكهرباء، وعدمُ إهدار الطَّعام، والحدُّ من استخدام المواد التي تضرُّ بالبيئة، والمحافظةُ على نظافة الأماكن العامَّة، وزراعةُ الأشجار، واحترامُ الحياة البرِّيَّة؛ كلُّها ممارساتٌ بسيطةٌ، لكنَّها عندما تتحوَّل إلى ثقافةٍ مجتمعيَّةٍ تصبح قوَّةً مؤثِّرةً في حماية الموارد.
إنَّ أزمةَ الموارد الطبيعيَّة في عالم اليوم لا تُعالج فقط بالتَّشريعات والاتِّفاقيَّات، على أهميَّتها، وإنَّما تحتاج كذلك إلى بناء وعيٍ أخلاقيٍّ يغيِّر علاقةَ الإنسان بالاستهلاك. وهنا تظهر أهميَّةُ المنظور الإسلاميِّ؛ لأنَّه لا يخاطب السُّلوكَ الخارجيَّ فحسب، بل يخاطب الضَّميرَ أيضًا.
فحين يدرك الإنسانُ أنَّ الماءَ نعمةٌ، وأنَّ الطَّعامَ نعمةٌ، وأنَّ الأرضَ نعمةٌ، وأنَّ الهواءَ والحيوانَ والنَّباتَ من مظاهر نعم الله في الكون، فإنَّه يعيد النَّظر في طريقة تعامله معها، ويتحوَّل الحفاظُ على الموارد من مجرَّد التزامٍ قانونيٍّ إلى مسؤوليَّةٍ دينيَّةٍ وأخلاقيَّةٍ.
إنَّ شكرَ الله على النِّعم لا يكون بكثرة الحديث عنها فحسب، وإنَّما بحسن استخدامها، والمحافظة عليها، ومنع الضَّرر عنها وعن الآخرين. ولذلك فإنَّ المسلمَ الذي يحرص على عدم إهدار الماء، ويتجنَّب الإسراف في الطَّعام، ويحافظ على نظافة البيئة، ويغرس شجرةً، ويعلِّم أبناءَه احترامَ الطَّبيعة؛ إنَّما يمارس لونًا من ألوان الشُّكر العمليِّ لله تعالى.
بقلم الدكتور أحمد رزق درويش أستاذ الحديث وعلومه المساعد بجامعة الأزهر وعضو مركز الأزهر العالمي للرصد والفتوى الإلكترونيَّة