بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الدين النصيحة.. الإفتاء توضح 5 ضوابط شرعية

بوابة الوفد الإلكترونية

تحتل النصيحة في الإسلام منزلة رفيعة، باعتبارها من أهم أسباب إصلاح الفرد والمجتمع وتقوية روابط الأخوة بين المسلمين، وقد حثَّ الشرع الشريف على النصيحة بين المؤمنين، وجعلها من دعائم الألفة ووحدة الصف وصلاح ذات البين؛ لما تؤديه من دور في استدراك الزلل وتقويم الإعوجاج وصيانة المجتمع من الفتن ومزالق الانحراف.
 

ما معنى النصيحة في الشريعة الإسلامية؟

اهتم العلماء ببيان حقيقة النصيحة ومقصدها، فعرفها الإمام الشريف الجرجاني في كتابه «التعريفات» بأنها: «الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهي عما فيه الفساد».

كما بيّن الإمام النسفي في تفسيره جوهر النصح، فقال: «حقيقة النصح: إرادة الخير لغيرك مما تريده لنفسك، أو النهاية في صدق العناية».

وتكشف هذه التعريفات أن النصيحة في الإسلام لا تعني مجرد توجيه اللوم أو إبداء الرأي، وإنما تقوم في جوهرها على إرادة الخير للآخر، والسعي إلى إرشاده لما فيه صلاح دينه ودنياه، بعيدًا عن التشهير أو الانتقاص أو تحقيق أغراض شخصية.

«الدين النصيحة».. حديث جامع لمعاني الإسلام

ولعِظَم شأن النصيحة ورفيع منزلتها، جعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنوانًا جامعًا للدين، فقال فيما رواه تميم الداري رضي الله عنه: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، أخرجه الإمام مسلم.

وقال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: «هذا حديث عظيم الشأن، وعليه مدار الإسلام».

كما جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم النصيحة من الحقوق الثابتة بين المسلمين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ...»، وذكر منها: «وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ»، أخرجه الإمام مسلم.

ويؤكد الحديث أن النصيحة ليست مجرد سلوك اجتماعي محمود، وإنما تدخل ضمن الحقوق التي ينبغي للمسلم أن يؤديها لأخيه، متى طلب منه المشورة أو النصح.

هل نصح المسلم لأخيه واجب؟

اختلف العلماء في حكم نصح المسلم لأخيه المسلم على قولين رئيسيين.

ذهب القول الأول إلى عدم التفريق بين النصيحة التي يقدمها المسلم استجابة لطلب أخيه، والنصيحة التي يبادر بها من تلقاء نفسه؛ فالنصيحة عند أصحاب هذا القول واجبة شرعًا متى قام موجبها، وإن اختلفوا في كونها فرض عين أو فرض كفاية.

وقال العلامة ابن بطال في شرحه على صحيح البخاري: «النصيحة فرض يجزئ فيه من قام به، ويسقط عن الباقين».

وقال العلامة بدر الدين العيني في «عمدة القاري»: «إن النصيحة فرض على الكفاية، لازمة على قدر الطاقة».

كما ذهب العلامة شهاب الدين النفراوي إلى أن النصيحة للمؤمنين واجبة، سواء طلبوها أم لا، وضرب لذلك مثالًا بمن يرى شخصًا لا يحسن الوضوء أو الصلاة أو شيئًا من أمور دينه، فينبغي له إرشاده وتعليمه.

أما القول الثاني ففرّق بين حالتين؛ فإذا كانت النصيحة ابتداءً من الناصح كانت مندوبة، يثاب فاعلها ولا يأثم تاركها، أما إذا طلب المسلم النصيحة من أخيه فإنها تتعين في حقه، ولا يسعه كتمانها مع القدرة على أدائها.

ونقل الشيخ محمد الطاهر بن عاشور أن النصيحة الواجبة لعموم المسلمين تتمثل في انتشالهم من الضلالة ودعوتهم إلى الائتلاف والوفاق، أما الدلالة على ما فيه خير للمسلم في دينه ودنياه فهي من قبيل النافلة.

النصيحة تشمل أمور الدين والدنيا

لا تقتصر النصيحة في الإسلام على جانب محدد من حياة الإنسان، وإنما تمتد لتشمل شؤون الدين والدنيا جميعًا، فقد أشار الإمام ابن جزي إلى أن من حقوق الصداقة نصح الصديق في دينه ودنياه.

ونقل الإمام المناوي عن الإمام ابن العربي قوله: «النصيحة عامة في كل شيء».

ومن ثم، فإن مفهوم النصيحة يتسع ليشمل إرشاد المسلم إلى ما ينفعه في عبادته وأخلاقه ومعاملاته وعلاقاته، وكذلك ما يرتبط بشؤونه الدنيوية، متى كان النصح قائمًا على العلم والصدق وإرادة الخير.

6 ضوابط شرعية للنصيحة

على الرغم من عِظَم منزلة النصيحة وأثرها في إصلاح الناس، فإنها قد تكون ثقيلة على النفوس، خصوصًا عندما تتعلق بعيب أو تقصير أو خطأ يحتاج إلى تصحيح؛ ولذلك قررت الشريعة جملة من الآداب والضوابط التي تساعد على قبول النصيحة وتحقيق مقصودها.

1- إخلاص النية لله

من أهم ضوابط النصيحة في الإسلام أن تكون صادقة خالصة لله تعالى، يقصد بها الناصح نفع المنصوح وإرشاده إلى ما فيه صلاح دينه ودنياه.

فإذا خلصت نية الناصح من الرياء وحب الظهور والتشفي وحظوظ النفس، كانت النصيحة أقرب إلى القبول والتأثير، أما إذا اختلطت بأغراض شخصية فقد تتحول من وسيلة للإصلاح إلى سبب للنفرة والعداوة.

ويشهد لذلك الحديث النبوي الشريف: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، وهو حديث متفق عليه.

2- أن تكون النصيحة سرًّا

الأصل أن تقدم النصيحة في السر، لا على الملأ؛ حفاظًا على كرامة المنصوح وصونًا لمكانته ومنعًا لتحول النصيحة إلى فضيحة أو تشهير.

وقد اشتهر عن الإمام الشافعي رضي الله عنه قوله: «مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرًّا فَقَدْ نَصَحَهُ وَزَانَهُ، وَمَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَدْ فَضَحَهُ وَخَانَهُ».

وقال الحافظ ابن رجب: «كان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرًّا»، كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: «الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان».

ويؤكد ذلك أن المقصود من النصيحة هو إصلاح الخطأ، وليس إظهار عيوب صاحبه أمام الآخرين.

3- استخدام الأسلوب غير المباشر عند الحاجة

ومن آداب النصيحة أن تقدم بأسلوب غير مباشر، ولا سيما إذا تعذر تقديمها سرًّا، وذلك من خلال التعريض بدل التصريح متى كان التعريض يحقق المقصود.

وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض المواقف أن يترك تسمية المخطئ ويكتفي بإنكار الفعل، ومن ذلك قوله: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ...».

ومن ذلك ما ورد في قصة بريرة رضي الله عنها، حين قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ...».

وجمع الإمام ابن حزم هذا الأدب في قوله: «وإذا نصحت فانصح سرًّا لا جهرًا، وبتعريض لا تصريح، إلا أن لا يفهم المنصوح تعريضك فلا بد من التصريح».

4- الرفق واللين في تقديم النصيحة

لا يكفي أن يكون مضمون النصيحة صحيحًا، بل ينبغي أن يراعي الناصح الطريقة التي يقدم بها كلامه؛ لأن الغلظة والجفاء قد يدفعان المنصوح إلى رفض النصيحة، بينما يساعد اللين وحسن الخطاب على قبولها.

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»، أخرجه الإمام مسلم.

وقال الإمام النفراوي: «تكون النصيحة بالقول اللين والرفق؛ لأنه أقرب إلى قبولها».

ومن ثم، فإن الناصح ينبغي أن يختار الوقت المناسب والكلمات المناسبة، وأن يتجنب أسلوب الإهانة أو التقليل من شأن الشخص الذي يريد إصلاحه.

5- عدم اشتراط قبول النصيحة

ليس من حق الناصح أن يجعل قبول المنصوح لنصيحته شرطًا لأدائها؛ فواجبه أن يبين الحق ويبذل النصح بالأسلوب المشروع، أما قبول النصيحة والعمل بها فمسئولية المنصوح.

وقد نبه الإمام ابن حزم إلى ذلك بقوله: «ولا تنصح على شرط القبول منك»، وقال أيضًا: «إن نصحت بشرط القبول منك فأنت ظالم».

وبذلك لا تتحول النصيحة إلى صورة من صور فرض الرأي أو السيطرة على الآخرين، وإنما تظل أداءً لواجب النصح والإرشاد مع احترام إرادة المنصوح.

6- ألا يترتب على النصيحة ضرر أكبر

من الضوابط المهمة ألا تؤدي النصيحة إلى ضرر معتبر شرعًا يلحق بالناصح أو المنصوح، فإذا غلب على الظن أن النصيحة ستؤدي إلى مفسدة أكبر من المصلحة المرجوة منها، فلا ينبغي الإقدام عليها بالطريقة التي تفضي إلى ذلك الضرر.

ويشهد لهذا الأصل الحديث النبوي: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، وهو من القواعد التي قررها الفقهاء وأصلوا عليها أحكامًا متعددة.

وقال الإمام الشاطبي: «القاعدة المقررة أن لا ضرر ولا ضرار»، كما قرر العلامة الزركشي أن «الضرر لا يزال بالضرر».

وأوضح ابن بطال أن النصيحة تكون لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أن نصحه سيقبل ويطاع، وأمن على نفسه المكروه، أما إذا خشي الأذى فهو في سعة منها.

النصيحة ليست تشهيرًا ولا فرضًا للرأي

وتظهر هذه الضوابط مجتمعة أن النصيحة في الإسلام ليست بابًا للتشهير بالآخرين أو كشف عيوبهم أمام الناس، كما أنها لا تعني فرض الرأي أو إجبار المنصوح على الأخذ بما يقوله الناصح.

فالمقصود منها هو إرادة الخير، وتصحيح الخطأ، والدلالة على الصواب، وحماية الفرد والمجتمع من أسباب الفساد والانحراف، مع مراعاة كرامة الإنسان وحاله وقدرته على الاستجابة.

ولهذا جاءت النصيحة في الشريعة مرتبطة بالأخلاق والرحمة والرفق وحسن القصد، حتى تكون وسيلة حقيقية للإصلاح، لا سببًا في زيادة الخصومة أو إلحاق الضرر.