من منصة نوبل للسلام إلى خنادق الدم
غرور آبى أحمد يحرق مستقبل إثيوبيا.. وجيشه يتراجع أمام تيجراي
على وقع طبول حربٍ لا تهدأ وتوازنات عسكرية تنقلب رأسًا على عقب، تجد إثيوبيا نفسها اليوم أمام المنعطف الأخطر فى تاريخها الحديث.
وبينما كان العالم يترقب التزاما بعهود السلام، انهار اتفاق بريتوريا وتلاشت معه آمال الاستقرار، لتشتعل الجبهات مجددًا بنيران حرب شاملة، قادتها جبهة تحرير شعب تيجراى بتحالف عسكرى وسياسى عريض يهدد بخلع رداء الشرعية عن أديس أبابا.
ومع تراجع القوات الفيدرالية وسقوط مواقع استراتيجية، يجد رئيس الوزراء الأثيوبى آبى أحمد نفسه فى مواجهة مباشرة مع نتائج طموحاته السياسية؛ فمن اعتلى منصة نوبل للسلام قبل سنوات متعهدًا بحقن الدماء، يقود بلاده اليوم وسط عاصفة من النزوح والدمار والتفكك الذى يهدد بحرق القرن الأفريقى بأكمله.
نجحت قوات جبهة تحرير تيجراى فى بسط سيطرتها الكاملة على 3 بلدات رئيسية فى إقليم عفر المجاور، ومن أبرزها بلدة أبالا الاستراتيجية الواقعة على خط الحدود المشترك.
وتراجعت القوات الفيدرالية الإثيوبية وخسرت عدة مواقع استراتيجية لصالح قوات تيجراى والتحالف المسلح المعارض خلال الـ 48 ساعة الماضية.
وكشفت المعارك الميدانية المستمرة لليوم السادس على التوالى عن خسائر واضحة وموثقة للجيش الحكومى لاديس أبابا فى أكثر من جبهة.
وأكدت تقارير عسكرية وتقارير رصد النزاعات (مثل ACLED) بأن قوات الدفاع الوطنى الإثيوبية تكبّدت خسائر فادحة وتراجعت فى مناطق من إقليم أمهرة خاصة فى شمال ويلو ومنطقة واج هيمرا.
وقالت إنه على طول خط الحدود الشمالية مع تيجراى إضافة إلى جبهة عفر أحكمت قوات تيجراى سيطرتها الكاملة على المطارات الفيدرالية الثلاثة فى الإقليم (ميكيلى، شيرى، وأكسوم) مرغمة الجيش الحكومى على الانسحاب منها.
ويتصاعد القتال فى شمال إثيوبيا بصورة تهدد بإعادة إشعال الحرب الأهلية فى إقليم تيجراى، بعد أربع سنوات فقط من انتهاء الصراع الذى استمر بين عامى 2020 و2022 وخلف، وفقا لتقديرات نقلتها التليجراف، ما يصل إلى 600 ألف قتيل.
وقالت صحيفة التليجراف إن الحرب تبدو أقرب إلى العودة فى ميكيلى، عاصمة تيجراى، بعد أشهر من المناوشات والغارات الجوية التى نفذتها طائرات مسيرة، قبل أن تعلن جبهة تحرير شعب تيجراى يوم الثلاثاء الدخول فى حرب شاملة ضد الجيش الفيدرالى الإثيوبى.
ويستعد سكان ميكيلى منذ أشهر لاحتمال عودة القتال، إذ بدأ كثيرون فى سحب مدخراتهم من البنوك وتخزين المواد الغذائية والسلع الأساسية، كما استقبلت عائلات فى المدينة أقاربها القادمين من المناطق الريفية التى كانت من أكثر المناطق تضررا خلال الحرب السابقة.
وقال كيبروم مدهانى، وهو مهندس يبلغ من العمر 33 عاما، للتليجراف إن السكان كانوا يتوقعون الحرب منذ فترة طويلة، موضحا أن الناس بدأوا فى سحب أموالهم وتخزين المؤن والاستعداد لما قد يحدث.
وأضاف أن المدينة تبدو هادئة، لكن التوتر واضح بين السكان، الذين لا يعرفون ما إذا كانت ستقع غارات جديدة بطائرات مسيرة.
وشهدت ميكيلى خلال الأيام الأخيرة إقبالا على شراء الدقيق والمواد الغذائية الأساسية، إلى جانب ازدحام المتاجر والبنوك، بينما تعرضت المدينة فى وقت سابق لغارات بطائرات مسيرة.
وانقطعت خدمات الإنترنت جزئيا فى المدينة، فى مشهد أعاد إلى الأذهان ظروف الحرب السابقة، التى شهدت أيضا انقطاعات واسعة فى الاتصالات.
وترى التليجراف أن المخاوف من تجدد الحرب تعود إلى عدم تنفيذ معظم بنود اتفاق بريتوريا بصورة كاملة، بعد أن أنهى الاتفاق الذى رعاه الاتحاد الأفريقى الحرب التى اندلعت عام 2020 بين القوات الحكومية الإثيوبية المدعومة من إريتريا وجبهة تحرير شعب تيجراى.
كما لم تتم معالجة الأسباب الأساسية للصراع بصورة نهائية، بينما شهدت السنوات التى تلت اتفاق السلام إعادة ترتيب واسعة للتحالفات بين القوى الإثيوبية والإقليمية.
وخلال الحرب السابقة، قاتلت ميليشيا فانو إلى جانب قوات آبى أحمد، لكنها دخلت لاحقا فى صراع مسلح مع الحكومة الإثيوبية، وانضمت الآن إلى التحالف الجديد للفصائل المتمردة.
ونقلت التليجراف عن كاميرون هدسون، المسئول السابق فى وزارة الخارجية الأمريكية، قوله إن تشكيل التحالف يبدو بمثابة إشارة إلى بدء حرب أهلية محتملة، يمكن أن تتطور بسرعة إلى حرب إقليمية أوسع إذا تداخلت مع الصراعات فى السودان والصومال وحصلت على دعم من دول خارج المنطقة.
ويضم التحالف الجديد جماعات كانت فى السابق على طرفى الصراع، وهو ما يثير أيضا تساؤلات حول مدى قدرته على الاستمرار، خاصة أن بعض هذه الفصائل تتبنى رؤى سياسية مختلفة.
وقال أسريس مارى دامتى، وهو محامٍ وقائد حاليا لقوات فانو فى إقليم أمهرة، للتليجراف إن تشكيل الائتلاف استغرق مفاوضات طويلة، مشيرا إلى أن الفصائل اشترطت ألا يؤدى التعاون بينها إلى أى مساس بالسيادة الإثيوبية.
وترى التليجراف أن تشابك التحالفات الإقليمية يجعل من الصعب أن تظل أى حرب جديدة فى تيجراى شأنا إثيوبيا داخليا.
وتشير التليجراف كذلك إلى أن واشنطن رفعت مؤخرا العقوبات عن إريتريا، فى وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى وجود حليف لها على الجانب الآخر من البحر الأحمر فى مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران فى اليمن، وهو ما قد يتيح لإريتريا مجالا أوسع لتقديم أسلحة إلى جبهة تحرير شعب تيجراى.
وقالت جلالى جيتاشيو بيرو، كبيرة محللى شرق أفريقيا فى منظمة مراقبة مواقع وأحداث النزاعات المسلحة، إن الحرب تنتشر بسرعة، مشيرة إلى أن عدة جبهات عسكرية أصبحت نشطة فى الوقت نفسه، بينما تتعرض مناطق مدنية للغارات الجوية وتتوقف الاتصالات وتزداد الانقسامات السياسية داخل تيجراى وضوحا.
وأضافت أن هذه التطورات مجتمعة تجعل احتواء الصراع أكثر صعوبة، معتبرة أن ما شهدته الأيام الأخيرة يعكس صراعا يتوسع فى عدة اتجاهات فى الوقت نفسه.
وفى تيجراى، لا تزال ذكريات الحرب السابقة حاضرة لدى السكان، ومن بينهم وولدياب بيرهى، البالغ من العمر 23 عاما، والذى قال للتليجراف إن التحالفات الجديدة تسببت فى انقسامات داخل المجتمع.
وأوضح وولدياب أن شقيقه وابن عمه قتلا أثناء القتال إلى جانب قوات تيجراى خلال الحرب السابقة، مضيفا أنه رغم كراهيته لآبى أحمد، فإنه يكره الحرب أيضا، ولا يرى أن الموت يستحق العناء إذا كان الصراع سينتهى مرة أخرى بمصافحة بين الأطراف المتحاربة.
وتقول التليجراف إن إعادة ترتيب التحالفات داخل إثيوبيا، إلى جانب ارتباط الأزمة بالصراعات فى السودان والصومال والتوترات المحيطة بالبحر الأحمر والخلافات حول مياه النيل، تثير مخاوف من أن تتجاوز المواجهات الجديدة حدود تيجراى وتتحول إلى أزمة إقليمية أوسع فى القرن الأفريقى. أكثر حدة