الولايات المتحدة وروسيا تقلصان ضوابط أممية على الأسلحة القاتلة بالذكاء الاصطناعى
كشفت صحيفة واشنطن بوست أن الولايات المتحدة وروسيا قلصتا، خلال مفاوضات أممية عقدت فى جنيف، عددا من الضمانات المقترحة لتنظيم استخدام الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل، فى خطوة قد تحد من نطاق أول مسعى دولى لوضع قواعد تحكم الأسلحة التى تعتمد على الذكاء الاصطناعى فى اتخاذ قرارات القتل.
وجرت المفاوضات فى أوائل سبتمبر، بمشاركة مئات الدبلوماسيين داخل مقر الأمم المتحدة فى جنيف، بهدف التوصل إلى إطار دولى يمكن أن يمهد لاحقا لمعاهدة ملزمة قانونا بشأن الأسلحة ذاتية التشغيل. ومثلت المحادثات أحدث وأوسع محاولة أممية حتى الآن لدفع هذا الملف إلى الأمام، بعد سنوات من النقاشات التى لم تحقق تقدما كبيرا.
وشملت التغييرات حذف عدد من البنود التى كانت تهدف إلى فرض ضمانات على أنظمة الأسلحة التى تستخدم الذكاء الاصطناعى. ومن بين البنود التى أزيلت اشتراط أن تعمل هذه الأنظمة بطريقة قابلة للتنبؤ وموثوقة، إضافة إلى بند كان ينص على ضرورة مراعاة الاعتبارات الأخلاقية عند استخدام الأسلحة المعتمدة على الذكاء الاصطناعى.
كما أزيل بند آخر كان يلزم بإخضاع الأهداف العسكرية التى يحددها الذكاء الاصطناعى لمراجعة بشرية قبل تنفيذ الضربات.
وقالت المصادر إن التعديلات جرت خلال جلسة مغلقة، بعد إيقاف كاميرات الأمم المتحدة وإبعاد مراقبى منظمات المجتمع المدنى عن قاعة المفاوضات. ودفعت الولايات المتحدة وروسيا بفريقين قانونيين كبيرين، ضم كل منهما نحو عشرة محامين، وهو عدد يقارب ضعف الحضور الدبلوماسى لعدد من الوفود الأخرى.
وبحسب أحد المشاركين، جاءت التغييرات بوتيرة سريعة أربكت الوفود الأصغر، ووصف مسار المفاوضات بأنه أشبه بالموت بألف جرح ورقى.
ووفقا لما أوردته واشنطن بوست، استخدم الجيش الأمريكى برنامج الذكاء الاصطناعى التابع لشركة أنثروبيك للمساعدة فى تحديد ما يقرب من ألف هدف خلال أول 24 ساعة من الحرب مع إيران. كما اعتمدت إسرائيل على تقنيات الذكاء الاصطناعى على نطاق واسع فى عملياتها العسكرية فى غزة، بحسب الصحيفة.
وفى الأشهر الأخيرة، ظهرت مؤشرات أخرى على اتساع نطاق استخدام الأنظمة الذكية فى العمليات الأمنية والعسكرية. وكشفت شركات متخصصة فى الذكاء الاصطناعى أن برامجها تمكنت بشكل مستقل من اختراق خوادم تابعة لمنظمات أخرى، بينها مواقع حكومية أمريكية، بينما استخدمت جهات مسلحة وبرامج مرتبطة بجهات فى اليمن وإيران أدوات الذكاء الاصطناعى فى محاولات لتطوير أسلحة أو استهداف القوات الأمريكية.
وأثارت هذه التطورات مخاوف بشأن قدرة البشر على السيطرة على أنظمة تتخذ قرارات متزايدة التعقيد بصورة مستقلة.
وفى الشهر الجارى، استقال باحث من شركة أنثروبيك وحذر من احتمال أن يمثل الذكاء الاصطناعى تهديدا وجوديا للبشرية، فى وقت يتزايد فيه الجدل داخل الولايات المتحدة حول كيفية وضع قواعد للتكنولوجيا قبل أن تصل إلى مستويات يصعب التحكم فيها.
وفى اجتماع لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هذا الأسبوع، دعا سام ألتمان الرئيس التنفيذى لشركة أوبن إيه آى، وداريو أمودى الرئيس التنفيذى لشركة أنثروبيك، إلى تعاون دولى لوضع إطار عالمى لحوكمة الذكاء الاصطناعى.
وقال ألتمان إن القوانين المتعلقة بالذكاء الاصطناعى يجب أن تضعها حكومات مسئولة أمام شعوبها من خلال عمليات ديمقراطية، معتبرا أن التعاون الدولى يمثل الجانب المقابل لذلك على المستوى العالمى.
لكن الجهود الأمريكية الداخلية لتنظيم الذكاء الاصطناعى واجهت خلافات سياسية، إذ دفعت إدارة الرئيس دونالد ترمب باتجاه الحد من القواعد التى ترى أنها قد تعرقل الابتكار والتنافس التكنولوجى.
وقالت فيريتى كويل، نائبة مدير قسم الأسلحة فى منظمة هيومن رايتس ووتش، إن الوفد الأمريكى ضم دبلوماسيين من وزارة الخارجية ومسئولين من البنتاجون وخبراء قانونيين، معتبرة أن الفريق جاء إلى المفاوضات وهو مستعد للدفاع عن مساحة واسعة من الاستقلالية للجيش الأمريكى فى استخدام التكنولوجيا.
من جانبها، قالت نيكول فان رويين، المديرة التنفيذية للتحالف العالمى غير الحكومى أوقفوا الروبوتات القاتلة، إن الولايات المتحدة وروسيا لا تؤيدان قواعد ملزمة قانونا بشأن الأسلحة ذاتية التشغيل، وإن نفوذهما يمكن أن يؤثر بشكل كبير فى مسار المفاوضات.
وأوضحت أن الوصول إلى اتفاق بشأن هذه الأسلحة يتطلب توافق عشرات الدول على قواعد مشتركة، مضيفة أن واشنطن وموسكو تستطيعان استخدام نفوذهما السياسى للضغط على دول أخرى وعرقلة التقدم نحو اتفاق ملزم.
ومن المقرر أن تجتمع الدول فى جنيف خلال نوفمبر لمناقشة مستقبل المحادثات، وما إذا كانت ستنتقل إلى مرحلة إعداد تفويض رسمى أو التفاوض على معاهدة ملزمة قانونا.
ويرى ريتشارد لينان، مستشار نزع السلاح فى الفريق القانونى للجنة الدولية للصليب الأحمر، أن المعاهدات الدولية يمكن أن تؤدى دورا مهما فى الحد من استخدام الأسلحة التى تسبب أضرارا واسعة، مستشهدا بالتأثير الذى أحدثته الاتفاقيات الدولية الخاصة بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية والألغام الأرضية والذخائر العنقودية.
وقال إن الهدف من المعاهدات ليس العقاب، وإنما وضع معايير دولية قادرة على التأثير فى سلوك الدول، معتبرا أن معاهدة لتنظيم الأسلحة ذاتية التشغيل يمكن أن تحقق أثرا مماثلا.
فى المقابل، ترى هيومن رايتس ووتش أن امتلاك الولايات المتحدة وروسيا لنفوذ دبلوماسى وفرق قانونية كبيرة وحوافز مرتبطة بالحفاظ على قدراتهما العسكرية والتكنولوجية قد يدفع باتجاه قواعد دولية أقل إلزاما.
وقالت كويل إن الولايات المتحدة عندما تسعى إلى الحفاظ على تفوقها العسكرى أو التكنولوجى تميل إلى الدفع نحو مبادئ توجيهية طوعية بدلا من قواعد ملزمة، مشيرة إلى أن النهج نفسه ظهر فى مناقشات دولية سابقة بشأن الأمن السيبرانى والفضاء الخارجى.