بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

د. إبراهيم عسليه يكتب : غزة على حافة الهاوية.. الحكمة واجب وطني لمنع ذريعة التهجير الشامل

بوابة الوفد الإلكترونية

 

 

في ظل التصعيد الإسرائيلي المتواصل في قطاع غزة، وتكرار التهديدات بإخلاء مدينة غزة بالكامل ودفع سكانها قسراً نحو الجنوب، تتعاظم المخاوف من أن يتم توظيف أي حادث أمني طارئ ليكون المبرر الجاهز لتنفيذ مخطط تهجير جديد يستهدف مئات الآلاف ممن يعيشون أصلاً أوضاعاً إنسانية كارثية.

إن الربط الإسرائيلي المتعمد بين إخلاء مدينة غزة ووقوع عملية أسر لجندي أو مدني إسرائيلي، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة وخطيرة حول طبيعة المرحلة المقبلة، ومدى استعداد حكومة بنيامين نتنياهو لاستثمار أي تطور ميداني لتوسيع رقعة عملياتها العسكرية وفرض وقائع جديدة على الأرض.

نتنياهو والبحث عن ذرائع التصعيد

لا يمكن إغفال حقيقة أن حكومة نتنياهو تمر بأزمة سياسية وأمنية مركبة، وأن استمرار الحرب وما يصاحبها من ضغوط دولية متنامية يضعها أمام استحقاقات داخلية وخارجية. وفي مثل هذه الظروف، تبدو المراقبة الدقيقة للخطاب الإسرائيلي ضرورة وطنية، خاصة حين يصبح مصير مدينة بأكملها مرهوناً بحادثة أمنية محتملة.

إن إخلاء مدينة غزة ليس إجراءً تكتيكياً عابراً، بل هو قرار استراتيجي خطير يحمل تداعيات إنسانية وسياسية مدمرة. فهو يعني اقتلاع مئات آلاف المدنيين الذين أنهكتهم الحرب والنزوح المتكرر وفقدان المأوى، ودفعهم نحو المجهول.

وهنا تبرز الأسئلة الجوهرية: إلى أين سيذهب هؤلاء؟ وأين ستجد العائلات النازحة مأوى آمناً في ظل الاكتظاظ الخانق في مناطق الجنوب، وشح الغذاء والماء والدواء، وانعدام الحد الأدنى من مقومات الحياة؟

المسؤولية الوطنية تقتضي أعلى درجات الحذر

إن الواجب الوطني يفرض على كل القوى والتنظيمات والقيادات الفلسطينية، دون استثناء، أن تتعامل مع هذه اللحظة التاريخية الفارقة بأقصى درجات الحكمة والمسؤولية والاتزان.

إن حق شعبنا في الدفاع عن أرضه وحقوقه الوطنية الثابتة وحريته واستقلاله حق لا يسقط بالتقادم، لكن حماية أرواح المدنيين وصون ما تبقى من مقومات الحياة في القطاع يجب أن تكون في سلم الأولويات.

لذلك، فإن المطلوب اليوم هو تفويت الفرصة على حكومة الاحتلال، وعدم تقديم أي ذريعة مجانية يمكن لنتنياهو توظيفها لتنفيذ مخطط الإخلاء الشامل لمدينة غزة.

إننا لا نتحدث عن تنازل أو قبول بسياسات الاحتلال، بل نتحدث عن فقه الأولويات في لحظة الخطر الوجودي. فالمسؤولية لا تقاس بعلو الشعارات، بل بالقدرة على حماية أبناء الشعب والحفاظ على وجودهم فوق أرضهم، ومنع تحويل معاناتهم إلى ورقة في حسابات الحرب والسياسة.

غزة لم تعد تحتمل كارثة جديدة

لقد دفع أبناء شعبنا في قطاع غزة ثمناً باهظاً لا يوصف، بين شهيد وجريح ومفقود ونازح. آلاف العائلات فقدت منازلها ومصادر رزقها، وما زالت تعيش في الخيام ومراكز الإيواء في ظروف لا تليق بالكرامة الإنسانية.

وأمام هذه المأساة المستمرة، فإن أي قرار بإخلاء مدينة غزة بالقوة ودون توفير ممرات آمنة ومأوى كريم وخدمات أساسية، سيضع السكان أمام كارثة إنسانية جديدة تفوق كل ما سبق.

إن حماية المدنيين ليست مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، بل هي مسؤولية قانونية وأخلاقية يتحملها المجتمع الدولي، الذي بات مطالباً بالتحرك العاجل لمنع أي تهجير قسري جديد وضمان احترام القانون الدولي الإنساني.

كلمة أخيرة

إن المرحلة الراهنة تتطلب موقفاً فلسطينياً موحداً ومسؤولاً، يعلو فوق الحسابات الفصائلية والمصالح الضيقة.

على جميع القوى أن تدرك أن أي مغامرة غير محسوبة قد تمنح حكومة نتنياهو الفرصة الذهبية التي تنتظرها لتوسيع الحرب وفرض واقع جديد. إن الأولوية اليوم يجب أن تكون لإنقاذ الإنسان وحماية ما تبقى من غزة.

لا نريد أن نمنح نتنياهو ذريعة جديدة لارتكاب حماقة جديدة بحق أهلنا.

فشعبنا الذي أنهكته الحرب لا يحتمل كارثة أخرى، وأطفال غزة ونساؤها وشيوخها ليسوا مجرد أرقام في معادلات السياسة والحرب.

إن الحكمة اليوم ليست ضعفاً، والمسؤولية ليست تراجعاً، بل هي ذروة العمل الوطني والأخلاقي. فلتكن حماية الإنسان الفلسطيني هي البوصلة، ولتكن وحدة الموقف الوطني هي الدرع الذي يفشل أي مخطط يستهدف اقتلاع شعبنا من أرضه.