الأمم المتحدة تضغط نحو استراتيجية خروج من الحرب.. خبير عسكري: الدبلوماسية تفتح باب التسوية
في ظل استمرار الحرب وتزايد تداعياتها على أمن المنطقة والاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، تتجه الأنظار إلى المسار الدبلوماسي باعتباره أحد أبرز المسارات المطروحة لاحتواء الأزمة والبحث عن مخرج سياسي للصراع. ومع انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، برزت تحركات دولية وإقليمية تستهدف زيادة الضغوط على أطراف الأزمة، وفتح المجال أمام مفاوضات قد تفضي إلى حلول أقل كلفة من استمرار المواجهة العسكرية.
ومن جانبه، أكد العميد رزق الخوالدة، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن التحركات الدبلوماسية التي شهدتها اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أسهمت في خلق حالة من الضغط السياسي والدولي على الولايات المتحدة وإيران، في ظل استمرار الحرب وتداعياتها المتزايدة على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة ومصادرها.
وأوضح الخوالدة، خلال مداخلة عبر تطبيق «زووم» من العاصمة الأردنية عمّان، مع قناة «النيل إكسترا نيوز»، أن استمرار حالة «اللاسلم واللاحرب» من شأنه أن يضاعف الضغوط الاقتصادية، ليس فقط على أطراف الصراع، وإنما على الاقتصاد العالمي بصورة أوسع، خاصة في ظل ارتباط التطورات العسكرية بأسواق الطاقة وحركة التجارة والاستثمار.
اجتماعات الأمم المتحدة تفتح نافذة للحلول الدبلوماسية
وأشار الخبير العسكري والاستراتيجي إلى أن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وفرت فرصة مهمة أمام مختلف الأطراف من أجل البحث عن مسارات سياسية قد تقود إلى حلول مقبولة، موضحًا أن طبيعة المنبر الأممي تمنح أطراف الصراع مساحة أكبر للتفاوض وتقديم التنازلات مقارنة بما قد يحدث خلال العمليات العسكرية المباشرة.
وأضاف أن التنازل في خضم المواجهات العسكرية قد يكون أكثر صعوبة على طرفي الصراع، إذ يرتبط كل طرف بحسابات سياسية وعسكرية ومواقف معلنة أمام جمهوره الداخلي، بينما يمكن أن يكون تقديم التنازلات من خلال منبر الأمم المتحدة أكثر قابلية للتقبل، سواء على المستوى الدولي أو لدى الشارعين الإيراني والأمريكي.
ويرى الخوالدة أن الدبلوماسية متعددة الأطراف يمكن أن توفر للأطراف مساحة للمناورة السياسية، بما يسمح بالانتقال تدريجيًا من منطق المواجهة إلى منطق التفاوض، خصوصًا عندما تصبح كلفة استمرار الحرب أكبر من كلفة تقديم تنازلات محدودة للوصول إلى تسوية.
تداعيات الحرب تتجاوز أطراف الصراع
ولفت الخبير العسكري إلى أن استمرار الحرب لا تقتصر تداعياته على الجانب العسكري أو السياسي، وإنما يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي ومصادر الطاقة، فضلًا عن انعكاساته المباشرة على دول المنطقة.
وأوضح أن دول الشرق الأوسط تتابع تطورات الأزمة بصورة مكثفة، نظرًا لما يمكن أن تتركه الحرب من آثار على الأمن والاستقرار الإقليمي، إضافة إلى التأثيرات الاقتصادية المرتبطة بالطاقة والتجارة والاستثمار وبرامج التنمية.
وأكد أن أي اضطراب طويل الأمد في المنطقة يمكن أن يفرض أعباء إضافية على اقتصادات الدول، خاصة تلك التي ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بحركة الطاقة والتجارة العالمية، وهو ما يجعل الوصول إلى تسوية سياسية هدفًا يتجاوز أطراف الصراع ليصبح محل اهتمام إقليمي ودولي.
الجمعية العامة للأمم المتحدة قد تمثل منعطفًا في مسار الأزمة
وأشار الخوالدة إلى أن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة يمكن أن تشكل منعطفًا في مسار الحرب، إذا جرى استثمار الأجواء السياسية والدبلوماسية التي وفرتها اللقاءات والمباحثات الأخيرة.
وأضاف أن هذه التحركات قد تساعد في الوصول إلى ما وصفه بـ«استراتيجية خروج» من الأزمة، خصوصًا في ظل عدم قدرة أي من طرفي الصراع على حسم المعركة بالشكل الذي يريده، الأمر الذي يجعل المسار السياسي أحد الخيارات المطروحة للخروج من حالة الاستنزاف المستمرة.
وبحسب الخوالدة، فإن استمرار المواجهة دون الوصول إلى نتيجة حاسمة قد يؤدي إلى تراكم الضغوط على الطرفين، بما قد يدفعهما في مرحلة ما إلى إعادة تقييم شروطهما ومطالبهما، والبحث عن صيغة تسمح بإنهاء الحرب أو الحد من تداعياتها.
ضغط دولي للقبول بتسويات أقل من سقف المطالب
وأوضح الخبير العسكري والاستراتيجي أن الجمعية العامة للأمم المتحدة وفرت أجواءً ومطالب دولية يمكن أن تشكل عنصر ضغط على أطراف الأزمة، بهدف دفعها إلى القبول بمستويات أقل من الشروط التي يطالب بها كل طرف.
وبيّن أن الدور الأممي لا يقتصر على إصدار المواقف أو البيانات، وإنما يمكن أن يمتد إلى توفير إطار تفاوضي ووسطاء إقليميين ودوليين، بما يساعد على تقريب وجهات النظر وتهيئة الظروف اللازمة للتوصل إلى اتفاق.
وأشار إلى أن وجود إطار دولي لأي اتفاق محتمل يمكن أن يمنحه قدرًا أكبر من القبول والالتزام، مقارنة باتفاق يتم التوصل إليه بعيدًا عن المؤسسات والآليات الدولية، خصوصًا في ظل حساسية الأزمة وتشابك مصالح القوى الإقليمية والدولية فيها.
ولفت الخوالدة إلى أن الاجتماعات واللقاءات الدبلوماسية الأخيرة أوجدت بيئة يمكن استثمارها للوصول إلى اتفاق، خاصة في ظل تأكيد طرفي الصراع التزامهما بأمن الطاقة العالمي والالتزامات الدولية.
ويرى أن هذه النقطة يمكن أن تمثل أرضية مشتركة يمكن البناء عليها في أي مفاوضات مستقبلية، إذ إن حماية أمن الطاقة واستقرار الأسواق الدولية تمثل مصلحة مشتركة تتجاوز الخلافات السياسية والعسكرية بين أطراف الأزمة.
وأضاف أن وجود مصالح مشتركة، حتى في ظل استمرار الخلافات، يمكن أن يساعد الوسطاء على صياغة ترتيبات تدريجية تتيح خفض حدة التوتر، وفتح قنوات اتصال تسمح بالانتقال من المواجهة إلى التفاوض.
تحركات إقليمية لدعم المسار الدبلوماسي
وأكد الخبير العسكري أن التحركات الإقليمية تمثل عاملًا مهمًا في التعامل مع الأزمة، في ظل إدراك دول المنطقة لحجم المخاطر التي يمكن أن تنتج عن استمرار الحرب.
وأوضح أن زيادة التحركات الدبلوماسية الإقليمية بالتزامن مع البيئة التي أوجدتها اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة قد تمنح أطراف الصراع حوافز إضافية للبحث عن حلول سياسية.
وأشار إلى أن دول المنطقة ستكون من بين أكثر الأطراف تأثرًا بأي تصعيد طويل الأمد، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي، الأمر الذي يفسر تكثيف الاتصالات والمساعي الرامية إلى احتواء الأزمة ومنع توسع تداعياتها.