بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

هوس التريند مُقابل الخصوصية في الشريعة الإسلامية

بوابة الوفد الإلكترونية

تحولت بعض مظاهر «التريند» في العصر الرقمي إلى هوس جماعي وراء الشهرة والمكاسب، حتى أصبحت خصوصيات الناس وأسرارهم وتفاصيل حياتهم مادة رائجة للتداول، بما يهدد حرمة الحياة الخاصة وكرامة الإنسان، ويجعل الحاجة ملحة إلى استحضار الرؤية الإسلامية في التعامل مع هذا الواقع الرقمي.

الخصوصية.. حق يصونه الإسلام

جعل الإسلام كرامة الإنسان أصلًا ثابتًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].

وبيَّن الإمام ابن جرير الطبري أن الله تعالى شرَّف بني آدم جميعًا، برَّهم وفاجرهم، بأنواع من وجوه التكريم الظاهرة والباطنة، ومن ذلك تمييزهم بالعقل وتسخير كثير من المخلوقات لهم.

وقال القرطبي في تفسير الآية إن التكريم المقصود هو الشرف والفضل، وأنه من «كرم نفي النقصان لا كرم المال».

وتقوم حماية الخصوصية في التصور الإسلامي على ركيزتين أساسيتين، هما حرمة الحياة الخاصة وفضيلة الستر.

حرمة الحياة الخاصة

صان الإسلام بيوت الناس وأسرارهم وحياتهم الخاصة، ووضع أحكامًا واضحة تمنع اقتحام خصوصيات الآخرين، ومن ذلك وجوب الاستئذان وغض البصر وتحريم دخول البيوت بغير إذن أصحابها.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النور: 27].

وأوضح ابن كثير أن هذه الآية جاءت صيانة للستر والعفة، بعدما كان بعض الناس يدخلون بيوت غيرهم دون استئذان، فجاء التشريع الإسلامي ليحفظ حرمة البيوت وأصحابها.

وفي العصر الرقمي، تمتد هذه الحماية إلى الحسابات الشخصية والمحادثات الخاصة والصور العائلية والمحتويات الشخصية، فلا يجوز اقتحامها بالقرصنة أو التجسس أو إعادة نشرها دون إذن أصحابها؛ لأن تغير الوسيلة لا يغير من حرمة الخصوصية.

الستر.. أخلاق تمنع التشهير

يُعد الستر من الأخلاق التي دعا إليها الإسلام في التعامل مع الناس، وحث على عدم تتبع عيوبهم وزلاتهم أو تحويل أخطائهم إلى مادة للتشهير.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» رواه مسلم.

ولا يعني الستر التهاون مع الخطأ أو تشجيعه، وإنما يتيح للمخطئ فرصة لمراجعة نفسه والتوبة دون تحويل زلته إلى فضيحة عامة.

 

التجسس الرقمي.. صورة معاصرة لانتهاك الحرمات

لم يعد تتبع خصوصيات الآخرين مقتصرًا على التجسس بالوسائل التقليدية، بل أوجد العصر الرقمي صورًا جديدة منه، تتمثل في البحث عن الرسائل الخاصة، والصور الشخصية، والمقاطع العائلية، والأسرار، ثم تداولها أو نشرها على نطاق واسع.

وقد وضع القرآن الكريم حدًا واضحًا لهذا السلوك، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12].

ومن ثم فإن الانشغال بتفاصيل حياة الآخرين، وتتبع مشكلاتهم الأسرية وخصوصياتهم لمجرد الفضول أو رغبة في المشاركة والتداول، قد يدخل في صور التجسس المعاصر، لما ينطوي عليه من انتهاك للخصوصية وإثارة للفتنة.

تتبع العورات.. تحذير نبوي شديد

شددت السنة النبوية على النهي عن تتبع عورات الناس والبحث عن زلاتهم، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من عاقبة هذا السلوك، فقال:

«يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ» رواه الترمذي.

«التريند» وما لا يعني الإنسان

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ».

ويقدم هذا الحديث منهجًا واضحًا في إدارة الاهتمام والوقت، إذ ليس كل ما ينتشر على مواقع التواصل يستحق المتابعة أو المشاركة.

وقد يتحول الانشغال بالتريندات التي لا تحمل نفعًا حقيقيًا إلى استنزاف للوقت والطاقة، فضلًا عن إمكانية جرِّ الإنسان إلى التجسس أو الغيبة أو نشر ما لا ينبغي تداوله.

كيف أصبح انتهاك الخصوصية «تريندًا»؟

تتمثل إحدى أخطر صور الظاهرة في تحويل خصوصيات الناس وأخطائهم ولحظات ضعفهم إلى محتوى يجذب المشاهدات والتفاعل.

ومن أبرز هذه المظاهر:

هتك أستار الآخرين

ويظهر في البحث عن زلات الناس وعثراتهم، ثم نشر صور أو مقاطع تكشف عيوبهم أو لحظات ضعفهم، بهدف زيادة التفاعل أو تحقيق الشهرة والأرباح.

كشف الأسرار الشخصية

لا يقتصر الأمر على انتهاك خصوصية الآخرين، بل قد يعمد بعض صناع المحتوى إلى كشف تفاصيل حياتهم الخاصة، أو خلافاتهم الزوجية والأسرية، بل وقد تمتد بعض صور المحتوى إلى تفاصيل شديدة الخصوصية، بحثًا عن مزيد من المشاهدات.

وهنا تتراجع قيمة الخصوصية أمام منطق تحويل الحياة الشخصية إلى مادة إعلامية قابلة للتداول والاستثمار.

نشر الفواحش.. خطر يتجاوز مجرد المشاهدة

حذر القرآن الكريم من السعي إلى إشاعة الفاحشة بين المؤمنين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19].

وأوضح ابن كثير أن الآية تتضمن تأديبًا لمن يسمع الكلام السيئ ثم يقوم بإشاعته وتكثيره ونشره بين الناس.

ومن هنا فإن المشاركة في نشر المحتوى القائم على الفضائح أو انتهاك الخصوصيات لا تقف عند حدود المشاهدة، وإنما قد تسهم في توسيع دائرة انتشاره، سواء بإعادة النشر أو المشاركة أو التعليق الذي يرفع من معدلات تداوله.