سيرة وأثر.. العالم والمُصلح الشيخ عبد الحكيم شمردل
يجب أن نحتفي بسير العلماء والصالحين الذين تركوا أثرًا في العلم والدعوة والإصلاح، ومن بينهم الشيخ عبد الحكيم مرسي شمردل، العالم والمربي الذي جمع بين التكوين الأزهري، والمشرب الصوفي، والعمل الدعوي والاجتماعي، واشتهر بين أهل بلدته والقرى المجاورة بالعلم وحسن الخلق والإصلاح بين الناس.
وتكشف سيرة الشيخ عبد الحكيم مرسي شمردل عن رحلة بدأت بحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم امتدت إلى رحاب الأزهر الشريف ومجالسة كبار علمائه، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز المرجعيات الدينية والاجتماعية في محيطه، حتى صار بيته مقصدًا للسائلين وطلاب العلم وأصحاب المشكلات.
مولد ونشأة الشيخ عبد الحكيم مرسي شمردل
وُلد الشيخ عبد الحكيم مرسي عبد الله شمردل عقب صلاة الفجر يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 1914م، الموافق 8 ذي الحجة 1332هـ، في قرية «أقفهص»، في بيت ارتبط بالقرآن الكريم ومحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآل البيت والصالحين.
وفي هذا المناخ الديني نشأ الطفل عبد الحكيم، فلم يكد يبلغ التاسعة من عمره حتى كان قد استظهر القرآن الكريم، إلى جانب اهتمامه بحفظ الأحاديث النبوية والشعر العربي، وخاصة ما يتصل بمدح آل البيت وأولياء الله الصالحين.
المشرب الصوفي للشيخ عبد الحكيم مرسي شمردل
نشأ الشيخ منذ طفولته في بيئة صوفية، وكان والداه يصحبانه بصورة دورية إلى مشاهد الأولياء والصالحين، ومن بينها رحاب سيدي إبراهيم الشلقامي بقرية «آبا»، ورحاب السادة القياتية، والبهنسا بمحافظة المنيا.
وتشرّب الشيخ المشرب الصوفي الشاذلي، وتتلمذ روحيًا على القطب العارف بالله الشيخ سلام الراضي، ثم الشيخ إبراهيم سلامة الراضي، واستمر متمسكًا بأوراد المشرب الشاذلي، شديد التعلق بسيدي أبي الحسن الشاذلي.
كما كان حريصًا على زيارة آل البيت بالقاهرة بصورة دورية، حيث كان يمكث أسبوعًا كاملًا، ثم يعود إلى قريته ليستأنف حياته العلمية والدعوية.
رحلة علمية بين التعليم والأزهر
لم تتوقف همة الشيخ عند حفظ القرآن، بل بدأ رحلة طويلة في طلب العلم، فالتحق بمدرسة المعلمين الأولين في مبنى الملك فؤاد الأول بأسيوط، قبل أن يتوجه إلى الأزهر الشريف.
وفي رحاب الأزهر، جلس إلى عدد من كبار العلماء، ومن أبرزهم الإمام الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي، الذي تلقى عنه دقة الاستنباط وقوة الحجة، والإمام الشيخ محمود شلتوت، وتأثر بمنهجه في التجديد الفقهي وتقريب الأحكام للناس.
كما جالس الإمام الشيخ محمد الخضر حسين، شيخ الأزهر التونسي الأصل، واستفاد منه في اللغة والأسلوب الفكري والغيرة على الإسلام.
وحصل الشيخ عبد الحكيم على إجازة العلوم الشرعية من الأزهر الشريف، رغم أنه كان يعمل مدرسًا بوزارة التربية والتعليم في قرية «أبو عزيز» بمركز ببا، فكان يقسم وقته بين أداء عمله والرحلة إلى القاهرة لتحصيل العلم.
ولم تتوقف رحلته العلمية بعد الدراسة النظامية، إذ تفرغ لفترات للاطلاع وحضور مجالس عدد من كبار العلماء، ومنهم الشيخ صالح الجعفري، والشيخ عبد الحليم محمود.
الشيخ عبد الحكيم.. عالم على المنبر ومصلح بين الناس
لم يكن الشيخ عبد الحكيم عالمًا منعزلًا عن مجتمعه، بل كان حاضرًا بقوة في الحياة اليومية لأهل قريته والقرى المحيطة بها.
وتولى الخطابة والتدريس في المسجد العمري، الذي كان المسجد الأبرز في القرية آنذاك، وحوّل منبره إلى مساحة لنشر العلم وتصحيح المفاهيم وبناء الوعي الديني بأسلوب يجمع بين قوة اللغة ووضوح المعنى.
كما تحول منزله إلى مجلس علم مفتوح للسائلين والمستفتين وطلاب المعرفة وحفظة القرآن، ولم يقتصر نشاطه على بلدته، بل امتد إلى عدد من القرى والمساجد المجاورة، حيث كان يلقي الدروس بصورة منتظمة.
ومن المساجد التي ارتبط اسمه بالتدريس فيها مسجد السلطان شمردل أبو علي بالفشن، ومسجد التوحيد بهرب شنت، ومسجدا المصطفى والإيمان بباروط، ومسجد الرحمة بالبرقي، ومسجد التوبة بصفانية، ومسجد الصحابة ببني خالد، ومسجد الواحد ببلهاسا، ومسجد العزيز بكفر الدوار.
قاضي السلم.. الإصلاح بين العائلات
برز للشيخ عبد الحكيم دور اجتماعي آخر، إذ كان يلجأ إليه الأهالي والعمد والأعيان لفض المنازعات وإصلاح ذات البين.
وكان منزله مقصدًا لمن يريد الإصلاح بين الأزواج وحل المشكلات الأسرية، كما كان يُستدعى إلى مجالس الصلح بين العائلات في القرى المجاورة، للمساهمة في تهدئة النفوس وحقن الدماء ورأب الصدع.
وهكذا جمع الشيخ بين وظيفة العالم الذي يعلّم الناس، والمصلح الذي يسعى إلى إزالة الخلافات وحماية العلاقات الاجتماعية.
أخلاق الشيخ عبد الحكيم.. الرحمة قبل الشدة
تروي سيرة الشيخ عددًا من المواقف التي تعكس ما عُرف عنه من لين الجانب وحسن التعامل مع الناس.
ومن أشهر القصص الواردة في سيرته، أنه خرج قبيل الفجر ذات يوم، فوجد أربعة رجال غرباء أمام منزله، وتبين أنهم لصوص. وبدلًا من مواجهتهم بالعنف، دعاهم إلى منزله، وأطعمهم مما تيسر من طعام البيت، وجلس معهم حتى اطمأنوا.
ثم أعطاهم ثلاثة جنيهات، وهي كل ما كان معه آنذاك، ووعدهم بجنيه آخر عندما يلتقي بهم مرة أخرى.
وبعد فترة، وبينما كان عائدًا ليلًا من زيارة أحد أصحابه، اعترضه عدد من اللصوص في الطريق، فتعرّف أحدهم عليه، وتذكر أنه كان من الرجال الذين استضافهم الشيخ سابقًا، فانقلب الموقف من محاولة سلب إلى ترحيب، وأعطاه الشيخ الجنيه الذي كان قد وعده به.
وتذكر سيرته كذلك أنه كان يحرص عند شراء الخبز من السوق على الشراء من أكثر من بائع، حتى لا يحرم أحدًا من الربح، في صورة من صور جبر الخواطر التي اتسم بها في معاملاته اليومية.
كيف تعامل مع الأطفال؟
ومن المواقف اللافتة في سيرته، تعامله مع الأطفال الذين كانوا يلعبون الكرة أمام منزله بينما كان يستقبل عددًا من الضيوف.
فبدلًا من زجرهم أو طردهم، خرج إليهم مبتسمًا، وشاركهم اللعب لفترة قصيرة، ثم شرح لهم بهدوء أن لديه ضيوفًا لا يستطيعون سماع حديثه بسبب ارتفاع أصواتهم، وطلب منهم الانتقال إلى مكان آخر، واعدًا إياهم بالعودة للعب معهم.
وتكشف هذه الواقعة عن منهج تربوي قائم على الاحترام والإقناع بدلًا من القسوة والزجر.
مواقف من تواضع الشيخ عبد الحكيم
تروي سيرته موقفًا آخر من تواضعه، عندما حدث انسداد في شبكة الصرف الصحي بالمدرسة التي كان يعمل بها، وكان العامل المسؤول عنها مريضًا.
فلم يتردد الشيخ في خلع ملابسه الرسمية، والتعامل بنفسه مع المشكلة حتى عادت الشبكة إلى العمل.
وعندما تعجب المعلمون من قيامه بهذه المهمة، أوضح لهم أن المهم هو حل المشكلة وعدم ترك المدرسة بلا مرافق صالحة للاستخدام.
كما كان شديد الحرص على تعليم أبناء الفقراء، ويتعهد بمساعدة بعض الأسر التي تعجز عن تحمل نفقات تعليم أبنائها، حتى يتموا المرحلة الابتدائية.
كرامات الشيخ عبد الحكيم مرسي شمردل
تتضمن السيرة التي نشرتها وزارة الأوقاف عددًا من الروايات التي عُدت من كرامات الشيخ، ومنها قصة مرضه الشديد وآلام الكلى والحوض، بعد أن رأى عدد من الأطباء حاجته إلى إجراء جراحة.
وتروي السيرة أنه رفض الخضوع للعملية بعد الاستخارة، ثم في إحدى الليالي قام الليل وتضرع إلى الله، وبعد أن نام استيقظ في الصباح وقد زال عنه الألم، ورأت والدته أثرًا للدم على فراشه، فأخبرها أن الألم قد ذهب.
كما تتضمن السيرة قصة رجل سأله عن مسألة فقهية، فلم يتعجل الشيخ في الإجابة، وإنما طلب مهلة لمراجعتها والتثبت منها، ثم توفي قبل أن يجيبه، وتذكر الرواية أن الرجل رأى الشيخ في المنام بعد وفاته وأخبره بجواب المسألة.
مصحف كامل بخط يد الشيخ
ومن أبرز ما يكشف عن اهتمام الشيخ عبد الحكيم بالخط والقرآن، أنه كتب المصحف الشريف كاملًا بخط يده، ملتزمًا بالرسم العثماني والمدود والفواصل.
ووضع الشيخ المصحف في مكتبه عندما عُيّن ناظرًا لمدرسة «أقفاص» الابتدائية، ثم انتقل به إلى مدرسة «البرقي»، وبقي المصحف بعد ذلك ضمن مقتنيات المدرسة وفق ما تذكره السيرة.
كما ترك كتابات وحواشي وتفسيرًا لسورة «عم»، إلى جانب تعليقات أدبية على قصيدة «نهج البردة» لأمير الشعراء أحمد شوقي، فضلًا عن دفاتر تضمنت فوائد فقهية ولغوية وأذكارًا صوفية شاذلية.
آخر لحظات حياة الشيخ عبد الحكيم
وفي نهاية حياته، استقبل الشيخ لحظاته الأخيرة متوجهًا إلى القبلة، ونطق الشهادتين، قبل أن تصعد روحه يوم الخميس 3 ربيع الثاني 1394هـ، الموافق 25 أبريل 1974م.