بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

غريزة البقاء

في الآونة الأخيرة احتلت المخاوف المشروعة من تسارع  نمو قطاع الذكاء الاصطناعي، وتأثيره على مستقبل البشرية عناوين الأخبار الرئيسية ودخل على خط النقاشات المحتدمة شخصيات بارزة مثل باراك أوباما الذي دقّ ناقوس الخطر عندما صرح "هذا أمر يتحرك بسرعة كبيرة وفي أيدي القطاع الخاص، وإذا لم نسيطر عليه أو تتم إدارته بصورة مناسبة فأعتقد أنه قد يكون خطيراً"، داعياً الديمقراطيين إلى وضع أجندات واضحة للسياسات والحوكمة للتعامل مع هذه القضية الحساسة وكذلك أبدى الملك تشارلز اهتماماً كبيراً بهذا التطور الرهيب وحذر من مخاطره الوجودية المحتملة في حال وقعت أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة في "الأيدي الخاطئة" أو خرجت عن نطاق السيطرة البشرية ما سيؤدي إلى عواقب وخيمة. ومع ذلك أقر تشارلز بفوائده الكبيرة في مجالات الطب وعلوم الحياة، حيث وصفه بأنه أمر مثير للفضول ومقلق للغاية في آن واحد وقد أكد على أهمية البعد الأخلاقي للإنسانية وأن يظل مقدساً، مشيراً إلى ضرورة إعطاء طمأنة حقيقية من قطاع التكنولوجيا بأن البشر لن يفقدوا السيطرة على مصيرهم، وقال المفوض السامى للأمم المتحدة فولكر تورك إن الذكاء الاصطناعي المتطور قد يشكل تهديداً وجودياً للبشرية بسبب حفنة من الرجال يتمتعون بنفوذ شبه مطلق على مسار ومصير هذا القطاع الحيوي مطالباً بخطوات فورية وفعالة للحد من هذه المخاطر.
ولفت تورك إلى أن الذكاء الاصطناعي الذي يتمكن من الإفلات من بيئة الاختبار أو يلجأ إلى ابتزاز مطوريه للحيلولة دون إيقافه، هو ذكاء اصطناعي تجاوز حدود القوة المقبولة.
كل هذا الهلع العالمي حدث عقب تحذيرات شديدة أطلقها باحثان في شركة أنثروبيك من أن التقدم السريع في هذا القطاع قد يهدد بانقراض البشرية، هذه المخاوف ليست من باب الإثارة أو التهويل، فلها من الشواهد العلمية ما يبررها ويدعمها لا سيما بعد تسجيل حالات لافتة تصرف فيها وكلاء أنظمة الذكاء الاصطناعي بصورة خارجة عن السيطرة ومحاولات اختراق أنظمة خارجية أخرى أثارت تلك الواقعة صدمة في أوساط قطاع التكنولوجيا، وأعادت إحياء دعوات قديمة إلى فرض ضوابط أشد صرامة، وموخراً استقال باحثون في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي من شركاتهم بسبب مخاوفهم من تلك المخاطر، وفي هذا السياق دعا الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك داريو أمودي لأول مرة شركات التكنولوجيا العملاقة إلى إبطاء وتيرة عمل تطوير قدرات النماذج وهو ما لقي تأييداً من سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، وإيلون ماسك، الذي يدير شركة إكس إيه.

أعتقد أن المعضلة الحقيقية تكمن في أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قطاع تقني استثماري واعد ومربح بل بات ركيزة أساسية من ركائز القوة الشاملة للدول الكبرى وله أبعاد استخباراتية وعسكرية واقتصادية وهذا ما يفسر المنافسة الشرسة بين واشنطن وبكين التي وصلت إلى مرحلة تكسير عظام حيث تتداخل الرقائق الحساسة بالحوسبة الفائقة بالطاقة المتجددة والرخيصة لذا تنشط أعمال التجسس بين الطرفين ولم يعد الصدام الحالي على من يصل أولاً إلى نموذج فائق التطور بل من يحتكر القدرة على تشغيله وانتشاره وحمايته من الاختراق. في الوقت الراهن ما زالت واشنطن تحافظ على تقدمها الواضح في مجال الرقائق الحديثة ومنظومتها البرمجية التدريبية والسقف المرتفع لأداء نماذجها المتطورة المغلقة مع وفرة كبيرة للكفاءات البشرية والموارد المالية في حين تراهن بكين كالعادة على رخص وتوافر الطاقة اللازمة النظيفة من خلال شبكتها الوطنية الموحدة والنشر الواسع المحلي وخفض كلفة الاستدلال. يبدو  أن السباق المحموم  دخل مرحلة متقدمة قد تتحول فيها البنية الحاسوبية والطاقة من جسر للتواصل والتنافس الاقتصادي، إلى نقطة تماس مباشرة بين قوتين نوويتين إذا ما غابت قواعد التهدئة والضمانات المتبادل، لذا جري منذ يومين لقاء مهم بين ترامب وشي جين لحوكمة مسار الذكاء الاصطناعي في محاولة أخيرة لوضع حد لانقراض البشرية 
بعدما سربت تقارير صحفية نقاشات مثيرة داخل دوائر الاستخبارات الأمريكية حول احتمالية ضربات وقائية ضد مراكز البيانات الصينية إذا لزم الأمر وهو ما يفتح الباب على مصراعيه لحرب عالمية أخيرة لا تبقي ولا تذر ..
مصير البشرية الآن عالق بين غموض سيطرة الآلة أو غباء الإنسان، لله الأمر من قبل ومن بعد.