موقع إخبارى.. والمقر قهوة
هناك فارق كبير بين أن نفتح الباب أمام الصحافة الإلكترونية، وأن نترك الباب مفتوحًا أمام أي شخص يريد أن ينشئ موقعًا ويطلق على نفسه ومشروعه «مؤسسة صحفية».
الصحافة مهنة، والمهنة لها قواعد وشروط ومسئوليات، ولذلك أتصور أن الدولة في حاجة إلى إجراء عاجل يتمثل في مراجعة كاملة وشاملة لأوضاع المواقع الصحفية والإخبارية القائمة، خصوصًا مع اتساع عددها إلى 280 موقعا، والتأكد من أن كل موقع مرخص يمارس بالفعل النشاط الذي حصل من أجله على الترخيص.
القضية ليست في عدد المواقع، وإنما في طبيعة هذه المواقع.
هل لكل موقع مقر حقيقي ومجهز للعمل الصحفي؟ هل توجد به غرفة تحرير؟ هل يعمل به صحفيون بالفعل؟ كم عددهم؟ وهل لديهم عقود وحقوق واضحة؟ وهل هناك جهاز إداري يستطيع إدارة مؤسسة إعلامية، أم أن الموقع كله يدار من منزل صاحبه أو من مقهى، بينما لا يوجد على الأرض سوى اسم وشعار وصفحة على الإنترنت؟أنا لا أعمم لكن أتحدث عن الأغلبية.
هذه الأسئلة ليست للأستهلاك وإنما جزء من حماية المهنة.
فالقانون رقم 180 لسنة 2018 وضع بالفعل شروطًا للمواقع الإلكترونية، واشترط تقديم بيانات تتعلق بالسياسة التحريرية، ومصادر التمويل، والهيكل التحريري والإداري، والموازنة والعنوان، كما اشترط وجود رئيس تحرير مسئول ومحررين مسئولين يشرفون فعليًا على الأقسام المختلفة.
لكن السؤال الأهم هو: ماذا يحدث بعد الترخيص؟
هل تتم مراجعة الموقع دوريًا للتأكد من استمرار توافر هذه الشروط، أم أن الترخيص يتحول إلى ورقة تنتهي عند الحصول عليها الإجراءات؟
المطلوب في رأيي ليس فقط مراجعة الأوراق، وإنما مراجعة الواقع.
نحن في حاجة إلى لجان متخصصة تراجع المواقع المرخصة مهنيًا وإداريًا وماليًا، وتفحص المحتوى الذي تقدمه، ومدى انتظام العمل بها، وحجم الجهاز الصحفي والإداري، ومدى التزامها بالقواعد المهنية، وليس فقط عدد الأخبار التي تنشرها يوميًا.
فالصحافة ليست «كم خبرًا نشر الموقع اليوم؟»، وإنما ماذا أضاف؟ ومن كتب؟ وكيف حصل على المعلومة؟ وهل تحقق منها؟ وهل لديه صحفيون يعرفون الفرق بين الخبر والرأي، وبين المعلومة والشائعة، وبين الصحافة وإعادة تدوير ما تقوله مواقع التواصل الاجتماعي؟
المشكلة الأكبر أن بعض الشروط المالية والإجرائية، بصورتها الحالية، قد تسمح نظريًا بإنشاء مشروع إعلامي بموارد محدودة للغاية مقارنة بتكلفة مؤسسة صحفية حقيقية.
والقانون ينص على أن رأسمال الصحيفة الإلكترونية يبلغ 100 ألف جنيه، "هل هذا رقم يصلح كرأس مال موقع "كما ينص على إيداع نصف رأس المال في البنك لمدة سنة للإنفاق على أعمال الصحيفة وسداد حقوق العاملين في حالة توقفها عن الصدور، وتكون الأولوية لحقوق العاملين. كما يحدد القانون رسم الترخيص للموقع الإلكتروني بما لا يجاوز 50 ألف جنيه.
وهنا يجب أن نسأل: هل هذه الأرقام وحدها تكفي لضمان استمرار مؤسسة صحفية، وضمان حقوق العاملين بها؟
الصحفي الذي يعمل في موقع ليس مجرد رقم في كشف العاملين. وراء هذا الصحفي أسرة والتزامات وحياة كاملة، ولذلك لا يجوز أن يكون مصير العاملين مرتبطًا بقدرة صاحب الموقع على الاستمرار من عدمه.
نحن بحاجة إلى شروط أكثر صرامة خاصة الشق المالي الذى يتعلق بضمان حقوق العاملين، بحيث لا يستطيع صاحب الموقع أن يعلن غدًا إغلاق مؤسسته، ثم يترك عشرات الصحفيين والإداريين في الشارع دون حقوق.و هنا الكل يذهب إلى النقابة للحصول على بدل بطالة إلى جانب البدل،أى أن النقابة تتحمل تبعات لا شأن لها بها.
ولذلك أقترح أن تتضمن المراجعة الدورية للمواقع الصحفية بيانًا حقيقيًا بأعداد العاملين، وصور عقودهم، وانتظام التأمينات والحقوق المالية،و رفع شروط المالية إلى رقم يضمن حقوق العاملين ومصادر التمويل، والقدرة على الاستمرار، إلى جانب المقر والهيكل التحريري.
الصحافة تعانى من الفوضى التي تضع الصحفي المحترف وصاحب المشروع الحقيقي في الكفة نفسها مع من يتعامل مع الصحافة باعتبارها «سبوبة».
والأهم من ذلك كله أن تكون هناك لجان مهنية متخصصة لمراجعة المحتوى، واحترام حقوق الملكية الفكرية، وعدم تحويل الموقع إلى ماكينة لإعادة نشر ما يدور على مواقع التواصل.
المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام نفسه أعلن في قرارات حديثة منح تراخيص جديدة لمواقع وتطبيقات بعد مراجعة الملفات والتأكد من استيفاء المعايير والشروط القانونية والمهنية، وهو ما يؤكد أن مسألة تقنين أوضاع المواقع ومراجعة شروطها قائمة بالفعل.
لكن المطلوب الآن أن تنتقل الفكرة من مراجعة ملف الترخيص إلى مراجعة المؤسسة التي تعمل على الأرض.
نحن لا نحتاج إلى مئات المواقع لمجرد أن نقول إن لدينا مئات المواقع.
نحتاج إلى مواقع لديها صحفيون حقيقيون، ومكاتب حقيقية، ومعلومات حقيقية، ومصادر واضحة، ومحتوى يحترم عقل القارئ، وإدارة تعرف أن الصحافة مسئولية قبل أن تكون مشروعًا استثماريًا.
فالصحافة ليست دومينًا إلكترونيًا، ولا صفحة على «فيسبوك»، ولا مجموعة من الأخبار المعاد نشرها، ولا مكتبًا افتراضيًا يدار من أي مكان .
الصحافة مؤسسة، والمؤسسة لها كيان، والكيان له مسئولية، والمسئولية تبدأ من حماية الصحفي الذي يعمل داخلها قبل أي شيء آخر.
ومن هنا، فإن مراجعة أوضاع المواقع الصحفية ليست حربًا على الصحافة الإلكترونية، وإنما محاولة لإنقاذها من الفوضى، وحماية اسم «الصحافة» من أن يصبح غطاءً لأي نشاط تجاري يبحث عن الإعلان والانتشار بأي طريقة.
نريد صحافة إلكترونية قوية، لكن القوة لا تأتي من كثرة المواقع، وإنما من قوة المؤسسات التي تقف وراءها.
فالترخيص يمنح حق ممارسة المهنة.. لكنه لا يمنح صكًا بأن كل من حصل عليه أصبح مؤسسة صحفية.