بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

مواطن مع إيقاف التنفيذ

مرزوق.. شاب رُزق الحياة وحُرم الاسم والهوية

مرزوق.. شاب رُزق
مرزوق.. شاب رُزق الحياة وحُرم الاسم والهوية

مرزوق.. شاب ثلاثيني لم يكن له من اسمه نصيبٌ، إذ حُرم من أن يكون له اسمٌ منذ ولادته كبقية أقرانه، أكثر من 3 عقود يعيشها بيننا وهو غير قادر على حمل ولو ورقة واحدة تثبت هويته وتقول من هو.

مرزوق ابن لأمٍ وأبٍ لم يستطيعا تسجيل مولودهما لأسباب غير معلومة، وبمجرد أن تراه ستجد الألم في وجهه لا ينتهي، وسترى الحسرة أعلى جبينه، والحيرة والتوهة في عينيه، ولسانه يقول جملة واحدة "أنا تعبت"، سنوات وهو يبحث عن نفسه هنا وهناك بين السجل المدني هذا وذاك، فهو لا يحلم بالكثير فقط شهادة ميلاد يسير بها وسط الناس.

فالمعروف أن المولود شخص لم يختَر أن يأتي إلى الحياة ولكن ربما تتيح له الدنيا فرصة للاختيار فيما بعد، بينما الأشخاص غير المسجلين وساقطو القيد يستكملون رحلتهم في عدم الاختيار لأي شيء، ويبدو أن مرزوق كُتب عليه أن يبقى هكذا في الظل.

أكثر من 15 عاماً يتجول مرزوق بين السجلات المدنية، ليجد مخرجاً أو ورقة تساعده في أن يثبت هويته، لكنه في كل مرة يعود بخفي حنين، فحياته قائمة على التكهن حتى فيما يتعلق بأبسط تفاصيله الشخصية..

فيخمن مرزوق أن لديه 33 عاماً، إلا أنه في نظر الدولة لا وجود له، فهو فاقدٌ لهويته، ولا يملك أي إثبات شخصية، غير مسجل بدفاتر الدولة ويعيش محروماً من أبسط حقوقه في التعليم والزواج والصحة، وكذلك المشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية.

حرمان من أبسط الحقوق.. 

مرزوق ليس وحده الذي يعاني من أبسط حقوقه، فالملايين في مصر يعانون من المشكلة نفسها ويعرفون بأنهم ساقطو قيد، وخلال عام 2019، أعلنت لجنة محاربة الفقر التابعة لوزارة الصحة والسكان، في تقرير رسمي، أن أكثر من 4 ملايين مواطن ساقطو قيد في 7 محافظات فقط هي الجيزة و6 أكتوبر وحلوان وبني سويف والمنيا وسوهاج وقنا.

وفي مصر، شهادة الميلاد هي الوثيقة القانونية الأساسية لإثبات هوية الطفل وشخصيته وعمره، ونسبه، وتكون إلزامية خلال 15 يوماً من الولادة، وتُسمى عملية إصدار الشهادة تسجيل الولادة، وفيها يرد اسم الطفل وتاريخ الميلاد ومكان الولادة وأسماء الوالدين وجنسية كل من الوالدين والطفل.

شهادة ميلاد
شهادة ميلاد

يقول مرزوق: "أنا عايز بطاقة، أنا مش عارف أشتغل ولا عارف أتجوز، ولا عارف أعيش زي الناس، أنا بحاسب على ذنب مش ذنبي.. بقالي 15 سنة بلف علشان أطلع شهادة ميلاد، وروحت السجل المدني أكتر من مرة، وفي الآخر برضه محدش عرف يساعدني".

وبعدما تسمع من مرزوق تتأكد أنه ليس هناك أصعب من شعور أن تكون شخصاً بلا هوية، بلا اسم، بلا تعريف، وبلا ورقة تقول من أنت، غير معترف بك قانوناً وتفتقد لكل حقوقك وأبسطها.. أن تكون موجوداً في الحقيقة ولكن في سجلات الدولة لا وجود لك، لا أنت حي ولا أنت ميت.. أنت في نظر الأوراق الرسمية لم تأتِ من الأساس.

وذهب مرزوق إلى السجل المدني بمركز ومدينة أوسيم مرات ومرات على مدار سنوات حتى أنه أصبح معروفاً لدى الموظفين له "معروف بالولد اللي ملوش ورق"، لكن دون جدوى، وفي المرة الأخيرة التي ذهب فيها إلى هناك أخبروه بأن عليه التوجه للسجل المدني الرئيسي بالهرم، وهناك لم يصل إلى حل، فقط ما وصل إليه هو قائمة من الطلبات والأوراق التي يجب عليه توفيرها أولاً قبل أي عملية تسجيل له، ولأنه بلا هوية وبلا تعليم لا يعرف كيف يتحرك ليحصل على هذه الأوراق، حتى أنه لا يمكنه توكيل محامٍ لإثبات حقه لأنه لا يمتلك بطاقة شخصية".

ومن خلال حالة مرزوق وغيره، يظل "ساقطو القيد" عالقين في مساحة رمادية بين الوجود والغياب، فـرغم وجود نصوص قانونٍ تُقر بحق كل مولود في التسجيل وامتلاك أوراق ثبوتية إلا أن هناك واقعاً قاسياً يضع عراقيل وصعوبات أمام هذا الحق، ليطرح ذلك سؤالاً مفتوحاً: كيف يُمكن لمواطن أن يبدأ حياته دون اعتراف رسمي بوجوده من الأساس؟

وعدم تسجيل المواليد بالإضافة إلى أنه يحرمهم من كامل حقوقهم الصحية والتعليمية والاجتماعية والمهنية والعملية، فهو يؤثر أيضاً على الفرد والمجتمع، لافتة إلى أن حرمان هؤلاء من الحقوق كافة يجعلهم غير منتمين للدولة ويفقدهم الولاء وهو ما قد يجعلهم عُرضة للأعمال الإرهابية، خاصة أن عدداً من الجماعات الإرهابية التي نجحت الدولة في القبض عليها كانوا مجهولي الهوية، وفقاً للدكتورة هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع العسكري.

ولابد من التفات الدولة إلى ظاهرة عدم تسجيل المواليد، التي تُمثل كارثة كبرى، ووضع حلول جذريّة للانتهاء منها والقضاء عليها؛ خاصة أنها منتشرة كثيراً في قرى الصعيد والمناطق النائية، بحسب الدكتورة هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع السياسي. 

<span style=
مرزوق.. شاب رُزق الحياة وحُرم الاسم والهوية

وساقطو القيد هم ضحايا لخطايا لم يرتكبوها، بل نتاج أخطاء ارتكبها آخرون، وهم من يدفعون الفاتورة، فهذه المشكلة تحديداً من المشكلات التي تخلق مشاكل أكبر منها، فـ تُفقد المواطن انتماءه لوطنه وتُشعره بأنه شخص غريب في بلده، بل قد يُصبح نواة إجرامية ضد المجتمع فيتحول الشخص الذي فقد فرصة الحصول على أوراق ثبوتية له، إلى مشروع إجرامي، حسبما ذكر أيمن محفوظ، المحامي بالنقض.

وفي المحصلة فـرغم وجود نصوص قانونٍ تُقر بحق كل مولود في التسجيل وامتلاك أوراق ثبوتية إلا أن هناك واقعاً قاسياً يضع عراقيل وصعوبات أمام هذا الحق، ليطرح ذلك سؤالاً مفتوحاً: كيف يُمكن لمواطن أن يبدأ حياته دون اعتراف رسمي بوجوده من الأساس؟

وفي النهاية، يظل مرزوق و"ساقطو القيد" عالقين في مساحة رمادية بين الوجود والغياب، رغم أنهم ليسوا مجرد أرقامٍ، فإنهم يعيشون حياة غير كاملة معلقة تحتاج إلى اعتراف رسمي بوجودهم، وأن هذا الحق هو حق في الحياة نفسها.