بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تقارير حكومية: المصريون أصبحوا أفضل معيشة

بوابة الوفد الإلكترونية

المؤسسات الدولية: التعافى حقيقى.. لكنه لم يكتمل

  

«المصريون أصبحوا أفضل معيشة».. تبدو هذه العبارة نتيجة طبيعية إذا اكتفينا بقراءة عدد من المؤشرات الاقتصادية الصادرة عن الحكومة خلال 2026.

النمو الاقتصادى يستعيد قوته، ومعدل البطالة يتراجع إلى مستويات أقل، والتضخم انخفض بصورة كبيرة مقارنة بالمستويات التى سجلها خلال السنوات الماضية، لكن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا عندما ننتقل من مؤشرات الاقتصاد الكلى إلى المؤشرات التى تقترب من حياة الأسرة المصرية.

ففى الوقت الذى نما فيه الاقتصاد، ظل التضخم السنوى الحضرى عند 14.9% فى يوليو 2026، وارتفع من 14.3% فى يونيو، بينما بلغ التضخم العام على مستوى الجمهورية 13%. كما ارتفع معدل البطالة إلى مؤشرات أفضل، إذ انخفض إلى 5.8% فى الربع الثانى من 2026.

إذن، أصبح المواطن أفضل معيشة بالفعل، حسب بيانات الدولة بينما تحتاج «معيشة المواطن» إلى مجموعة أخرى من المؤشرات للحكم عليها

فبحسب صندوق النقد الدولى، بلغ نمو الناتج المحلى الحقيقى 5% فى الربع الثالث من السنة المالية 2025/2026، ووصل النمو خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية إلى 5.2%، ويتوقع الصندوق أن يبلغ النمو نحو 4.6% خلال السنة المالية 2025/2026.

أما البنك الدولى فيتوقع نمو الاقتصاد المصرى بنحو 4.3% فى السنة المالية 2025/2026، مقارنة بـ4.4% فى السنة السابقة و2.4% فى 2023/2024.

وبذلك، فالاتجاه العام واضح: النشاط الاقتصادى تعافى مقارنة بالعامين السابقين.

والبطالة تقدم مؤشرًا إيجابيًا آخر، فقد انخفض معدل البطالة من نحو 6% فى الربع الأول إلى 5.8% فى الربع الثانى من 2026، مع ارتفاع عدد المشتغلين إلى نحو 33.56 مليون شخص، مقابل 33.29 مليون فى الربع السابق.

وعلى مستوى الأجور، تُظهر قاعدة البيانات الاقتصادية الرسمية لوزارة التخطيط ارتفاع متوسط الأجر الأسبوعى وفق مسح المنشآت إلى 1,795.5 جنيه فى الربع الثانى من 2026، مقابل 1,633.2 جنيه فى الربع الثانى من 2025، بزيادة اسمية 9.9%، كل هذه أرقام إيجابية، لكنها لا تجيب بمفردها عن سؤال مستوى المعيشة.

وهنا تبدأ المفاجأة إذا كان الاقتصاد ينمو بنسبة تفوق 4%، والبطالة تتراجع، والأجور الاسمية ترتفع، فلماذا لا يشعر المواطن بالضرورة بتحسن مماثل؟

الإجابة، أن انخفاض التضخم لا يعنى انخفاض الأسعار.

إذا ارتفع سعر سلعة من 10 إلى 20 جنيهًا، ثم انخفض معدل التضخم فى العام التالى، فهذا لا يعنى أن السلعة عادت إلى 10 جنيهات، إنما يعنى أن سرعة ارتفاع سعرها أصبحت أقل.

وهذا يفسر كيف يمكن أن تنخفض معدلات التضخم، بينما تظل الأسرة المصرية تشعر بأن الأسعار أعلى بكثير من مستويات ما قبل موجة التضخم، وهنا تأتى أهمية مقارنة الأرقام المحلية بالتقديرات الدولية.

مصر أعلنت معدل بطالة 5.8% فى الربع الثانى من 2026، بينما يعرض صندوق النقد معدلًا يبلغ 7.4% لعام 2026.

هل يعنى ذلك أن أحد الرقمين خاطئ؟ ليس بالضرورة، حيث أن الأول هو قياس فصلى محلى، بينما الثانى تقدير سنوى فى قاعدة بيانات دولية، وبالتالى فإن وضع الرقمين جنبًا إلى جنب دون تفسير المنهج والفترة الزمنية قد يعطى انطباعًا خاطئًا.

هناك مؤشر آخر أكثر أهمية من الناتج المحلى نفسه: الناتج الحقيقى للفرد، فالاقتصاد يمكن أن ينمو، لكن إذا كان عدد السكان ينمو أيضًا، فإن نصيب الفرد من هذا النمو سيكون أقل من معدل نمو الاقتصاد الكلى.

ولهذا يعرض صندوق النقد فى بياناته لمصر كلًا من الناتج المحلى الإجمالى ونصيب الفرد من الناتج، سواء بالأسعار الجارية أو وفق تعادل القوة الشرائية. وتظهر بيانات أبريل 2026 نصيب الفرد من الناتج وفق تعادل القوة الشرائية عند نحو 23.32 ألف دولار دولى لعام 2026،

لكن حتى هذا المؤشر لا يمكن اعتباره مرادفًا لدخل الأسرة المصرية.

الأجر الأسبوعى الاسمى ارتفع بنحو 9.9% فى الربع الثانى من 2026، وفق البيانات الرسمية، لكن التضخم الحضرى بلغ 14.9% فى يوليو.

فلا يجوز حساب «الأجر الحقيقى» بطرح الرقمين مباشرة لأنهما لا ينتميان إلى الفترة الإحصائية نفسها، لكن المقارنة تكشف بوضوح سبب استمرار الضغط على القوة الشرائية: ارتفاع الأجر الاسمى لا يعنى بالضرورة أن القدرة الشرائية ارتفعت بالقدر نفسه.

وهنا يمكن أن يكون المواطن محقًا عندما يقول: ««راتبى زاد.. لكن ما أستطيع شراءه به لم يزد بالقدر نفسه»، وهذه ليست مفارقة اقتصادية، بل هى بالضبط الفرق بين الأجر الاسمى والأجر الحقيقى.

إذا أردنا قياس مستوى المعيشة، فإن الفقر أكثر تعقيدًا من النمو والتضخم، قد تكون كل الأرقام السابقة صحيحة. بالفعل النمو ارتفع فعلًا، والبطالة انخفضت فعلًا، والأجور الاسمية ارتفعت، والتضخم تراجع عن قممه السابقة.

لكن هل تكفى هذه الأرقام للقول إن المصريين أصبحوا أفضل معيشة؟

الإجابة: ليس بالضرورة. لأن كل مؤشر يقيس جزءًا من الحقيقة.

النمو يقيس حجم الاقتصاد، التضخم يقيس تغير مستوى الأسعار.

البطالة تقيس نسبة من لا يعملون وفق تعريف إحصائى، الأجر الاسمى يقيس ما يحصل عليه العامل بالنقود.

لكن المواطن يعيش فى المنطقة التى تلتقى فيها هذه المؤشرات كلها:

الدخل والأسعار والوظيفة والخدمات والسكن والصحة والتعليم والنقل، وهذه هى المنطقة التى لا يستطيع مؤشر واحد قياسها.

فمنظمة التعاون الاقتصادى والتنمية، على سبيل المثال، تتابع الدخل الحقيقى المتاح للأسر باعتباره مؤشرًا مختلفًا عن الناتج المحلى، لأن السؤال يتعلق بما يتبقى للأسر من موارد بعد تأثير الأسعار والتحويلات والضرائب. وتشير أحدث بياناتها إلى تباطؤ نمو الدخل الحقيقى المتاح للأسر فى دول المنظمة إلى 0.2% فى الربع الأول من 2026.

وهذا مهم فى الحالة المصرية. فإذا كان الاقتصاد ينمو، فإن السؤال التالى المنطقى ليس فقط «كم نما؟»، وإنما: ماذا حدث للدخل الحقيقى للأسر؟

والمفارقة أن الاقتصاد المصرى نفسه يعطى إشارات متباينة.

ففى الوقت الذى تحسن فيه النمو والبطالة، أظهرت بيانات التجارة الخارجية الأخيرة ارتفاع العجز التجارى المصرى فى يونيو 2026 بنسبة 58.5% على أساس سنوى إلى 7.5 مليار دولار، مع ارتفاع الواردات 49.4% إلى 12.4 مليار دولار.

وهذا لا يعنى أن الاقتصاد «يتدهور»، لكنه يذكرنا بأن الاقتصاد مجموعة من المؤشرات المتشابكة، وليس رقم نمو واحدًا.

وفى يوليو، ارتفع التضخم الحضرى مجددًا إلى 14.9% من 14.3% فى يونيو، وفق البنك المركزى والجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء.

وفى الوقت نفسه، يرى صندوق النقد أن الاقتصاد أصبح أكثر قدرة على تحمل الصدمات، لكنه يحذر من استمرار مخاطر ارتفاع التضخم والاحتياجات التمويلية والدين العام، كما يتوقع أن يصل التضخم إلى 16.7% فى النصف الثانى من 2026 وأن يتباطأ النمو إلى 4.4% فى السنة المالية 2026/2027.

إذن حتى المؤسسات الدولية لا تقدم صورة «وردية» مطلقة، بل تقول شيئًا أكثر تعقيدًا: التعافى حقيقى.. لكنه لم يكتمل.