«يا خبر !»
الأمم المتحدة بين العجز والتجاوز
تعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه الأيام دورتها الحادية والثمانين، فى ظروف صعبة وتحديات جسام على المستوى العالمى، وربما تعيش المؤسسة العجوز أخطر لحظاتها الآن منذ تأسيسها عام 1945.. فالأزمة التى تحيط بها اليوم قد تعصف بها تماما، صحيح سنجد من يقول أن هذا الكلام مكرر وكل سنة نقوله ونردد: المنظمة ماتت، لكنها تظل باقية ولو على الورق، فما الجديد الآن؟ بمنتهى الصراحة حال العالم الآن يشير إلى ارتباك غير مسبوق حتى فى سنين الحروب الكبرى التى غيرت الخرائط، فالمعضلة الآن أن القانون الدولى لم يعد قادرًا على تقييد القوة، أو كبح جماحها، ومن يملك القوة، هو الذى يحكم العالم، ويحدد معنى القانون وحدوده، فالثقة اهتزت فى النظام الدولى، وبات الانطباع العام أنه لا مكان للعدالة، فى ظل نظام فقد قدرته على تطبيق قواعده بعدالة، وكبح القوة حين تتجاوز القانون، فحين يجتمع قادة العالم، هذه المرة فى نيويورك سيجدون أنفسهم أمام خريطة دولية تكاد تشتعل من كافة أطرافها، من أوكرانيا إلى غزة، ومن اليمن إلى السودان، وصولا إلى الحرب المستمرة مع إيران، فضلا عن أزمات المناخ والديون والفقر والهجرة والذكاء الاصطناعى.
الأمم المتحدة التى تأسست بعد الحرب العالمية الثانية لترسى قواعد القانون الدولى وضبط العالم، غابت سلطتها تمامًا أول غابت المنظمة بشكل فعلى بينما بقيت القواعد بلا تفعيل أو تشغيل، فميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولى منذ ١٩٤٥ لم يُلغَ، ومبادئ القانون الدولى ومواده ونصوصه هى الأخرى موجوده، لكن من ذا الذى بات يحترم الميثاق وأو يطبق القواعد، الآن، فالمصلحة تفرض نفسها والقواعد لا تُطبق إلا إذا كانت لصالح القوى وضد الضعيف، بمعنى أنها تطبق بطريقة انتقائية فجة.
لأول مرة فى التاريخ يشهد العالم هذا التوغل فى سيادة الدول وسط صمت مطبق من الأمم المتحدة، فالسيادة تكون خط أحمر إذا كانت الدولة قوى، وقد لا تكترث المؤسسة الدولية حين تنتهك وسيادات دول أخرى ضعيفة تنتهك بمنتهى البرود والتبجح .
ولا أحد يبالى، تكمن أزمة الأمم المتحدة فى أن القانون الدولى موجود، لكنه يفقد عالميته، وهى الصفة التى كانت تمنحه قوته الأخلاقية أصلا.
مجلس الأمن الذى تأسس منذ البداية بعوار قانونى لا يغتفر، اسمه الفيتو، بدلا من أن يحمى السلم والأمن الدوليين، انحاز إلى دول الفيتو ومن يترعرعون تحت ظلالها وقد أدى استخدام الفيتو المتكرر من القوى العظمى لحماية مصالحها أو مصالح حلفائها إلى إبطال القرارات الحيوية، مما يترك شعوباً بأكملها تحت وطأة الحروب دون غطاء دولى فاعل، فالولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا تحتفظ بالعضوية الدائمة وحق النقض، بينما كل شىء تغير فى العالم، وبقيت نفس المقابيس الجائرة فى المؤسسة التى من المفترض أن تحمى الدول وتصون سيادتها، تغيّر العالم سياسيا واقتصاديًا وديمغرافيًا بصورة جذرية خلال ثمانية عقود، والمؤسسة لم تتغير، ازدادت ضعفا على ضعف حتى بلغت من العمر أرذله.
ما أحوج العالم الآن إلى إعادة هيكلة الأمم المتحدة بحسب الحاجة والمستجدات، وإن أردنا الصواب، فليعلن انتهاء صلاحية هذه المؤسسة العجوز، وبناء نظام قانونى دولى جديد يمنع الحروب، ويضع قواعد مشتركة لإدارة الصراع، ويفرض القيود على استخدام القوة.. بات فى حكم الضرورة الملحة تدشين مؤسسة دولية تكون عادلة فى تمثيلها لقارات ودول العالم فعلى سبيل المثال أفريقيا، ببلدانها الواسعة وثقلها السكانى والسياسى المتصاعد، لا تملك مقعدا دائما واحدا فى مجلس الأمن، وأمريكا اللاتينية غائبة تماما عن العضوية الدائمة، والعالم العربى لا يمتلك أى تمثيل دائم. أما الهند، التى تمثل جزءا ضخما من سكان العالم وتتحول إلى قوة اقتصادية وسياسية عالمية، فإنها لا تزال خارج الدائرة الدائمة فى مجلس الأمن الذى أصبح ساحة للصراع السياسى بين القوى الكبرى أكثر من كونه مؤسسة قادرة على فرض تسوية عليها، فالأمم المتحدة تبدو ضعيفة عندما تتصارع القوى الكبرى.
إذا لم يتم إصلاح الأمم المتحدة، ولم يشرع النظام الدول فى تدشين مؤسسة بديلة فإن العالم سيبدأ فى تجاوزها تدريجيا عبر مؤسسات وتحالفات وتكتلات موازية، وهذا ربما يكون الخطر الأكبر.