(صفحات المصاطب والبحث عن الفضيحة)
من الأشياء التي أصبحت جلية الفجاجة في زماننا، أننا لم نعد نعرف من نحن.حيرنا حتى أنفسنا من أنفسنا
والمتأمل في حال الناس على مواقع التواصل اليوم يرى عجباً. يرى تناقضاً مضحكاً ومبكياً في آن واحد. يرى نفس الوجوه، بنفس الأسماء، تقول الشيء وضده في أقل من يوم، بلا حياء ولا مراجعة.
ينشر أحدهم صورة رجل لا يعرفه أحد. يكتب تحتها: "هذا الرجل طلق زوجته ورمى أولاده وهرب. رجل خائن بلا ضمير". فتنهال التعليقات كالسيل. سب ولعن وتشويه. "حسبنا الله ونعم الوكيل". "أكيد أصله واطي". "لازم يتربى". مئات الأحكام تصدر في دقائق. مع أن أحداً من كل هؤلاء لا يعرف الرجل، ولا دخل بيته، ولا سمع زوجته، ولا رأى أولاده.
وفي اليوم التالي، نفس الناشر، نفس الصورة، نفس الرجل. لكنه يكتب عكس ما كتب: "هذا الرجل ظلمته زوجته وطردته من بيته وحرمته من أولاده بعدما أفنى عمره لأجلهم". فتنقلب الآية. نفس الناس، بنفس الأسماء، تنهال بالمدح والنفاق. "رجل عظيم". "ربنا يعوضك". "الله يصبرك يا بطل".
نفس الرجل لم يتغير. الذي تغير هو السطر المكتوب فوقه. فتغيرت معه أخلاقنا.
فهل أصبحنا إمعون؟
إن أحسن الناشر أحسنا وإن أساء أسئنا فأين عقولنا لعل الناشر فاسق جاء بنبأ . لا مبدأ له. لا بوصلة له. هو ظل لغيره. يذهب حيث يذهبون. يميل حيث يميلون.
وهذا بالضبط ما صرنا عليه. صرنا إمعة رقمية. الناشر يسحبنا كقطيع. يرمي كلمة "ظالم" فنلعن. ويرمي كلمة "مظلوم" فنبكي. هو يكتب ونحن نوقع. هو يكذب ونحن نصدق. أين عقولنا؟ أين أمر الله لنا "إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا"؟ أين التبين؟ لقد استبدلنا التبين بالتعليق. واستبدلنا التثبت بالشتيمة.
والمصيبة الأكبر لم تعد في تعليقات الناس فقط، بل فيمن يكتب. لقد ظهرت في كل مدينة وقرية صفحات نصبت نفسها جريدة إخبارية. لا ترخيص لها. لا مهنية لها. لا ضمير لها. يديرها شاب يجلس على مصطبة، يفتح هاتفاً رخيصاً، ويكتب: "عاجل.. فلان طلق فلانة". "شاهد.. خناقة بين عائلتين". "فضيحة.. فلانة هربت".
صفحات أسست للنميمة. لا للخبر. صفحات حولت أخبار القرى من صلح وستر إلى فضح وتشهير. كانت القرية زمان إذا حدثت فيها مشكلة، اجتمع الكبار في دوار العمدة. حاولوا الصلح. ستروا البيوت. قالوا "عيب.. البيوت أسرار". وقالوا "اللي يستر بيت الناس ربنا يستر بيته". كان الرجل النبيل إذا سمع بمشكلة بين زوجين ذهب ليصلح. وإذا سمع بمصيبة ذهب ليغطي.
اليوم حلت محل دوار العمدة صفحة فيسبوك. لا تصلح. بل تفضح. لا تستر. بل تعري. تحولت جلسات النخوة إلى جلسات مصاطب للنساء. نميمة. وغيبة. وكلام في الأعراض. وصارت أسرار البيوت مادة للتفاعل. كلما فضحت أكثر، جاءك لايك أكثر. وكلما سترت أكثر، نساك الناس.
والأخطر من ذلك كله، أن هذه الصفحات نسيت دورها الحقيقي. بدلاً من أن تكون عيناً تساعد أجهزة الدولة على كشف الخطر الحقيقي، صارت عيناً على غرف النوم. بدلاً من أن تنشر عن تاجر مخدرات يضيع شباب القرية كلها، ويدمر جيلاً كاملاً، ويزرع السم في أيدي أولادنا، تنشر عن سيدة تأخرت في العودة لبيتها.
تاجر المخدرات الذي يبيع الشابو والحشيش على ناصية المدرسة لا يجد من يصوره. لأنه يخاف منه. لكن المرأة المطلقة يجد ألف من يصورها. لأنه لا يخاف منها. أي نخوة هذه؟ أي رجولة هذه؟
لقد ارتفع معدل الجريمة في مناطقنا الريفية لدرجة مخيفة. شباب يضيع. بيوت تخرب. سلاح ينتشر. مخدرات تباع كالخبز. وهذا هو الخطر المؤكد على وطن كامل. وطن بلا شباب وطن بلا مستقبل. فأين صفحاتكم من هذا؟ أين عاجل وأين حصري من هذا؟
إن ما يحدث هو خيانة لدور الكلمة. الكلمة كانت زمان تصلح بيتاً. اليوم الكلمة تهدم بيتاً. كانت تستر عرضاً. اليوم تعري عرضاً.
قبل أن تكتب تعليقاً تذكر أنك لست قاضياً. أنت لم تسمع الطرفين. وقبل أن تنشر خبراً عن بيت من بيوت الناس تذكر أن لك بيتاً. وأن لك أختاً. وأن لك زوجة.
إن السوشيال ميديا ليست محكمة. هي شارع. والشارع له أصول. من أصول الشارع أن تستر. وأن تقول خيراً أو لتصمت.
نحن لا نحتاج قانوناً يمنع النشر. نحن نحتاج ضميراً يمنع الفضيحة. نحتاج أن نعود لزمن النخوة. زمن الرجل الذي كان إذا رأى مشكلة قال: "استروا الناس.. لعل الله يسترنا".
فإما أن نكون رجالاً نصلح ونستر ونحارب الخطر الحقيقي الذي يأكل أولادنا..
وإما أن نظل إمعة..
نحسن إن أحسن الناشر..
ونسيء إن أساء..
ونبيع بيوتنا بلايك.