حُكْمُ النَّوْمِ عَلَى السَّطْحِ وَرُكُوبِ الْبَحْرِ عِنْدَ الْخَطَرِ
يسأل الكثير من الناس عن حُكْمُ النَّوْمِ عَلَى السَّطْحِ وَرُكُوبِ الْبَحْرِ عِنْدَ الْخَطَرِ فأجاب بعض اهل العلم وقال إذا غلب على الظن حصول الهلاك أو الضرر البالغ، حرم تعريض النفس لذلك، سواء بالنوم فوق سطح غير محاط بحاجز، أو بركوب البحر عند اشتداد هيجانه؛ لأن الله تعالى قال:﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
و أما إذا وجدت وسائل السلامة وغلب على الظن الأمن، فلا يدخل ذلك في هذا الوعيد.
فَوَائِــدُ الحَدِيــثِ
وجوب حفظ النفس والأخذ بأسباب السلامة.
تحريم تعمد تعريض النفس للهلاك بغير ضرورة.
أن التوكل المشروع لا ينافي الاحتياط والأخذ بالأسباب.
أن الأخذ بأسباب السلامة من تمام التوكل، وليس منافيًا له.
أن الشريعة جاءت بسد أسباب الضرر قبل وقوعه.
أنَّ مَنْ أَهْلَكَ نَفْسَه فقد ضيَّع حقَّه وحقَّ أوليائهِ، ورفَعَ حِفْظَ اللهِ عَنْه.
تَنْبِيــهٌ مُهِــمٌّ
الحديث لا يحرم النوم على الأسطح مطلقًا، ولا ركوب البحر مطلقًا، وإنما يحرم ذلك إذا فقدت وسائل السلامة وغلب على الظن وقوع الهلاك أو الضرر.
عـــن بعض أصحاب النبي ﷺ
أن رســـول اللـــه ﷺ قـــال :مَنْ بَاتَ فَوْقَ بَيْتٍ لَيْسَ لَهُ إِجَارٌ فَوَقَعَ فَمَاتَ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، وَمَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ عِنْدَ ارْتِجَاجِهِ فَمَاتَ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ .
ثَانِيًا: مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: «وَمَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ عِنْدَ ارْتِجَاجِهِ»
المراد بـ ارتجاج البحر: اضطرابه وهياجه، واشتداد أمواجه، بحيث يصبح ركوبه مظنةً للخطر وغلبة الهلاك.
ثَالِثًا: مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: «فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ»
ليس المقصود خروجه من الإسلام أو سقوط حقوقه الشرعية، وإنما المراد:
أن ذمة الله في الحفظ والرعاية قد برئت منه؛ لأنه ألقى بنفسه إلى التهلكة، وتعمد تعريض نفسه للهلاك مع القدرة على اجتنابه.
كل مَنْ أطاع رسول الله في أوامره ونواهيه { فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } تعالى لكونه لا يأمر ولا ينهى إلا بأمر الله وشرعه ووحيه وتنزيله، وفي هذا عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله أمر بطاعته مطلقا، فلولا أنه معصوم في كل ما يُبَلِّغ عن الله لم يأمر بطاعته مطلقا، ويمدح على ذلك.
وهذا من الحقوق المشتركة فإن الحقوق ثلاثة: حق لله تعالى لا يكون لأحد من الخلق، وهو عبادة الله والرغبة إليه، وتوابع ذلك.
وقسم مختص بالرسول، وهو التعزير والتوقير والنصرة.
وقسم مشترك، وهو الإيمان بالله ورسوله ومحبتهما وطاعتهما، كما جمع الله بين هذه الحقوق في قوله: { لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } فمَنْ أطاع الرسول فقد أطاع الله، وله من الثواب والخير ما رتب على طاعة الله { وَمَنْ تَوَلَّى } عن طاعة الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا { فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا }- أي: تحفظ أعمالهم وأحوالهم، بل أرسلناك مبلغا ومبينا وناصحا، وقد أديت وظيفتك، ووجب أجرك على الله، سواء اهتدوا أم لم يهتدوا.
كما قال تعالى: { فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ .