التصوير بين انتهاك الخصوصية وكشف الحقيقة
من وجهة نظري، نحن بحاجة اليوم إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالكاميرا.
فالهاتف المحمول أصبح في يد الجميع، والكاميرا أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية؛ نصوّر ونوثق وننشر، وأحيانًا نتصرف وكأن مجرد قدرتنا على التصوير تمنحنا الحق في تصوير الآخرين ونشر صورهم ومواقفهم دون حساب.
وهنا أختلف.
أنا لست ضد التصوير، ولا ضد صناعة المحتوى، ولا ضد مواقع التواصل الاجتماعي، لكنني ضد أن تتحول الكاميرا إلى وسيلة لاقتحام خصوصية الناس أو استغلال لحظاتهم الإنسانية من أجل «الترند» والمشاهدات.
فليس كل ما تستطيع تصويره يحق لك نشره، وليس كل شخص ظهر أمام كاميرتك قد وافق على أن يصبح جزءًا من محتواك.
المشاهدات ليست مبررًا
أصبح البعض يقيس نجاحه بعدد المشاهدات والإعجابات، حتى لو كان الثمن إحراج إنسان أو كشف خصوصيته أو تصويره في موقف لم يختر أن يظهر فيه أمام الناس.
وهنا أرى أن السؤال الحقيقي ليس:
«هل أستطيع أن أصوّر؟»
وإنما:
«هل يحق لي أن أصوّر هذا الشخص وأنشر صورته بهذه الطريقة؟»
فالفارق كبير بين القدرة والحق.
قد يكون الفيديو بالنسبة لصاحبه مجرد ثوانٍ، لكنه بالنسبة للشخص الذي ظهر فيه دون رضاه قد يكون موقفًا يلاحقه طويلًا، ويؤثر على سمعته أو حياته أو علاقاته.
التصوير في الأماكن العامة لا يعني إباحة كل شيء
ومن الأخطاء الشائعة أن يعتقد البعض أن وجود الشخص في مكان عام يعني سقوط حقه في الخصوصية.
وجودنا في الشارع أو النادي أو المطعم أو أي مكان عام لا يعني أن حياتنا أصبحت مباحة للتصوير والنشر دون حدود.
وحتى عندما يكون التصوير في إطار مشروع، فإن النشر وإعادة النشر واستخدام الصورة أو الفيديو قد تثير مسائل قانونية تختلف باختلاف الواقعة والغرض وطريقة الاستخدام.
ولهذا أرى أن احترام الإنسان يجب أن يسبق الرغبة في تحقيق «الترند».
الكاميرا لا ترى الحقيقة كاملة
وتزداد المشكلة عندما يتعلق الأمر بالمشاجرات والمواقف المثيرة للجدل.
الفيديو قد يوثق لحظة حقيقية، لكنه لا يعني بالضرورة أنه وثق كل الحقيقة.
قد يبدأ التسجيل بعد بداية الواقعة، فنرى شخصًا يضرب أو يدفع أو يصرخ، لكننا لا نرى ما حدث قبل تشغيل الكاميرا.
وقد يكون المقطع مقتطعًا من تسجيل أطول، أو مصورًا من زاوية واحدة، أو خاليًا من السياق الذي يفسر كيف بدأت الواقعة.
وهنا أخشى من شيء أصبح يتكرر كثيرًا:
أن يتحول جزء من الحقيقة إلى الحقيقة كلها في نظر الجمهور.
وهذا أمر خطير؛ لأن مواقع التواصل قد تصدر حكمها في ثوانٍ، بينما الحقيقة القانونية تحتاج إلى تحقيق، وسماع الأطراف، وفحص الأدلة والملابسات كاملة.
ومن واقع عملي كمحامٍ، أؤمن أن المشهد المصور قد يكون دليلًا مهمًا، لكنه ليس دائمًا القصة الكاملة.
فليس كل ما تراه الكاميرا هو كل ما حدث.
وقد تكون المشكلة في بعض المقاطع أنها لا تكذب… لكنها لا تقول كل الحقيقة.
من «الترند» إلى التوثيق المسؤول
وأعتقد أننا بحاجة إلى ثقافة مختلفة في التعامل مع التصوير.
إذا شاهدت واقعة تستحق التوثيق، فليس الهدف أن تحصل على أكبر عدد من المشاهدات، وإنما أن تساعد في كشف الحقيقة.
ومن هنا أرى أن فكرة وجود منصة إلكترونية رسمية تستقبل مقاطع الفيديو التي توثق المشاجرات والوقائع والمخالفات، وتتيح للجهات المختصة فحصها واتخاذ ما يلزم قانونًا، تستحق الدراسة.
بهذا الشكل يصبح المواطن جزءًا من عملية التوثيق، دون أن يتحول الفيديو إلى وسيلة للتشهير أو إصدار الأحكام على مواقع التواصل.
صوّر.. وثّق.. وأبلغ.
الحرية مسؤولية
في رأيي، المشكلة ليست في الكاميرا، وإنما في الطريقة التي نستخدمها بها.
حرية التصوير لا يجب أن تتحول إلى حق في اقتحام حياة الآخرين، وصناعة المحتوى لا ينبغي أن تكون مبررًا للتعدي على خصوصية إنسان أو استغلال ضعفه أو ألمه.
وأنا أؤمن أن صانع المحتوى الحقيقي ليس من يصور كل شيء، وإنما من يعرف متى يصور، وماذا ينشر، وما الذي يجب أن يتركه خارج الكاميرا.
فليس كل «ترند» إنجازًا، وليس كل مشاهدة نجاحًا، وليس كل ما يمكن تصويره يحق لنا نشره.
وفي النهاية…
صوّر لتُبلّغ.. لا لتشهّر.
فالكاميرا قد توثق لحظة.. لكن الحقيقة لا تُختصر