نور
الضربة القادمة!
لا يمكن قراءة الموقف السياسى والعسكرى فى الإقليم، دونما رؤية المشهد من كافة جوانبه. لن تستطيع استشراف مصير المنطقة إلا بعد تضع كافة الأطراف فى المعادلة. فالمعركة ليست بين أمريكا ومعها إسرائيل فى مواجهة إيران فقط. هناك تداخلات حدثت بين عناصر أخرى من داخل منطقة الشرق الأوسط وخارجها. لا يمكن أبدًا أن تتجاهل أهمية الصين كعنصر فاعل فى الصراع، ولا يمكن أن تنسى أن روسيا رغم انشغالها فى الحرب مع أوكرانيا تسهم فى تطويل أمد الحرب الدائرة الآن على ضفاف مضيق هرمز. وأصحاب الأرض فى الشرق الأوسط أيضًا هم عنصر فاعل سواء كانت دول الخليج أم باقى دول المنطقة حتى لو بعدت قليلًا عن دائرة الصراع المباشرة..ولاتعتقد أن هجوم الحوثيين على المملكة العربية السعودية بعيدًا عن توجيه إيرانى مباشر، ولاتستبعد أنه تم بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية التى أعلن نائب الرئيس ترامب أن بلاده اتصلت بالحوثيين، وبعدها تم الاعتداء على المملكة، ثم أحكمت جماعة الحوثى بعدها إحكام قبضتها على مضيق باب المندب، وهنا مصدر الخطورة..لماذا؟
لأن إيران تُسيطر واقعيًا على مضيق هرمز، والحوثيون يسيطرون فعليًا على أحد جانبى مضيق باب المندب،وهو ما يعنى قدرتهم على تعطيله فى أى وقت، والفهم الواقعى لهذا الوضع أن مفاتيح المضيقين يوجد منها نسختان فعالتان فى طهران!!
وعمليًا أصبحت إيران جزءًا من خريطة تفعيل أو غلق منافذ نقل البترول وتجارته.. ويبدو أن هذا حدث بعد تغير فى السياسة الأمريكية التى تؤمن بمبدأ..من لا تستطيع كسره قربه منك!
إذن.. اتصال أمريكا بالحوثيين أصبح مفهومًا.. لكنه أصبح أيضًا موضع تساؤل عن علاقة الولايات المتحدة بالسعودية من جانب، وحجم عدائها لإيران من جانب آخر.. وهل الغرض من كل هذه المعركة هو تركيع إيران أم ابتزاز الخليج؟!
ولكن..هل الحرب ضد إيران كانت تستهدف طهران فعلًا أم أنها مبرر للاقتراب من الصين ومحاصرتها واستفراغ روسيا وكسرها؟
يجب أن تعرف أن التغييرات التى حدثت فى الجيش الصينى منذ ساعات، وتصريحات الرئيس بوتين حول توقع هجوم أوربى موحد على روسيا لدعم أوكرانيا، يعنى أن الولايات المتحدة تسعى لتحقيق غرضها بمحاصرة الصين بشكل مباشر، فهى الآن لا تريد دفع ثمن غالٍ بالحرب مع إيران، ولكنها بدأت تتحرك مباشرة بالتنسيق مع أوربا لمواجهة روسيا والاقتراب أكثر من منطقة حصار الصين!
الحكومات الأوروبية طالبت مواطنيها بتخزين السلع والاستعداد لمرحلة اقتصادية صعبة، وهذا يعنى أن هناك قرارا فعليا بالحرب ضد روسيا، والولايات المتحدة لن تخوض الحرب فى جبهتين، وكل المؤشرات تقول إنها ستبذل قصارى جهدها لدعم الحرب الجماعية الأوروبية فى مواجهة روسيا، وهذا هو سبب قيامها بتهدئة الجبهة الإيرانية، والاتفاق مع الحوثيين، لتأمين عبور النفط عبر باب المندب.
كل التطورات قد تُنذر بحرب عالمية ثالثة، وحينها لن نتكلم عن جبهة أوروبا وجهة إيران، ولكننا سنواجه تدميرًا لن تفلت منه قارات العالم القديم، ومسرح العمليات سيكون أوروبا وآسيا وبعضًا من دول إفريقيا، وسيصل إلى المسطحات المائية المهمة فى البحر الأبيض والبحر الأحمر والخليج العربى، والحكاية لن تصبح محاصرة الصين أو كسر روسيا، وسوف يفلت الزمام من الجميع.
الحرب على إيران التى شيبت العالم.. قد تصبح ذكرى سعيدة ولطيفة.. إذا استمر هذا الجنون الذى لا نعرف متى يتوقف فى صراع السيطرة على العالم بين الولايات المتحدة وروسيا التى قد تتقهقر فى ترتيب القوة والصين التى ترغب فى الصعود للقمة ولكن ترامب يرغب فى إيقافها مهما كانت الخسائر التى ستطال العالم.
الضربة القادمة.. قد تكون فى أوروبا.. وقد تعود لإشعال حرب إيران.. وقد تتصاعد المواجهات فى اليمن.. ولكن المؤكد أن هناك حريقا كبيرا سوف يشتعل فى مكان ما وسينتقل قطعًا للمساحات المجاورة.
الاحتمالات كثيرة.. والتساؤلات أكثر.. والخسائر كبيرة.