بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

ترامب والإعلام الأمريكي.. عندما يتحول البيت الأبيض إلى غرفة أخبار


لم تعد المعركة بين دونالد ترامب والإعلام الأمريكي مجرد خلاف سياسي عابر أو مواجهة بين رئيس ووسائل إعلام تنتقد سياساته، فالمشهد الذي يتشكل في واشنطن يتجاوز حدود الخلاف التقليدي بين السلطة والصحافة ويفتح الباب أمام سؤال أكبر يتعلق بمن يملك رواية الأحداث ومن يحدد ما الذي يراه المواطن الأمريكي وما الذي لا يراه.
ترامب أعلن أن بعض وسائل الإعلام تمثل تهديدا للأمن القومي الأمريكي، في الوقت الذي منعت فيه إدارته صحفيين من مؤسسات إعلامية بينها CNN وMS NOW وPolitico من دخول البيت الأبيض، بينما اتجهت المؤسسات التلفزيونية الكبرى إلى وقف مشاركتها في التغطية المشتركة للفعاليات الرئاسية احتجاجا على هذه الإجراءات. وفي اليوم نفسه ظهر مشروع جديد يحمل اسم Trump TV لبث محتوى البيت الأبيض على مدار الساعة عبر المنصات الرقمية.
هنا تتغير طبيعة الصراع.
فالقضية لم تعد فقط هل نشر الإعلام خبرا صحيحا أم خبرا خاطئا، ولا هل كانت بعض التغطيات منحازة ضد ترامب أو مؤيدة له، وإنما أصبحت مرتبطة بالسؤال الأخطر في أي نظام سياسي وهو من يملك حق الوصول إلى المعلومة ومن يملك حق تقديم الرواية الأولى للرأي العام.
الإعلام التقليدي كان لسنوات طويلة هو الوسيط بين البيت الأبيض والمواطن. الرئيس يتحدث، والصحفي يسأل، والمراسل ينقل، والمحرر يدقق، ثم تصل المعلومة إلى الجمهور من خلال مؤسسات مستقلة نسبيا عن السلطة.
أما عندما تبدأ المؤسسة التنفيذية نفسها في إنشاء قناة إعلامية تبث خطابات الرئيس وفعالياته ومواد إدارته بصورة مستمرة، فإن المعادلة تبدأ في التغير.
Trump TV ليست مجرد منصة تقنية جديدة، بحسب ما أعلن البيت الأبيض، وإنما تأتي في توقيت شديد الحساسية بعد أزمة التغطية التلفزيونية المشتركة وقرار الشبكات الكبرى وقف مشاركتها في تغطية بعض فعاليات الرئيس. وقد أطلقت المنصة بثا رقميا على مدار الساعة يركز على خطابات ترامب وإعلانات الإدارة وأبرز مشاهدها.
وهنا يمكن فهم المعركة من زاوية أوسع.
ترامب لا يخوض صراعه مع الإعلام بالطريقة التقليدية فقط، بل يحاول بناء منظومة اتصال مباشرة مع الجمهور، وهي استراتيجية ظهرت بوضوح منذ سنوات مع الاعتماد المكثف على وسائل التواصل الاجتماعي. الفكرة الأساسية هي تجاوز الوسيط الإعلامي والوصول إلى المواطن مباشرة.
لكن الوصول المباشر له وجه آخر.
فالإعلام المستقل لا يقوم فقط بنقل كلام الرئيس، بل يطرح الأسئلة ويبحث عن المعلومات من مصادر مختلفة ويقدم روايات متعارضة ويضع أداء السلطة تحت الاختبار. أما المنصة التي تنشئها السلطة نفسها، فهي تستطيع أن تقدم المعلومات من زاوية واحدة تحددها المؤسسة صاحبة المنصة.
وهذا هو جوهر الأزمة الحالية.
شبكات ABC وCBS وNBC وFox قررت وقف مشاركتها في التغطية التلفزيونية المشتركة للفعاليات الرئاسية بعدما تعذر على CNN أداء دورها في هذا النظام بسبب منعها من دخول البيت الأبيض. وفي المقابل لجأت المؤسسات الإعلامية التي مُنعت من الوصول إلى القضاء للطعن في القرار.
وبعيدا عن المواقف السياسية المتعارضة، فإن المشهد يكشف أزمة أعمق في العلاقة بين السلطة والإعلام داخل الولايات المتحدة.
ترامب يقول إن ما يستهدفه هو الأخبار الكاذبة وليس الصحافة الحرة، ويعتبر أن بعض وسائل الإعلام تجاوزت حدود العمل الصحفي وتحولت إلى خطر على الأمن القومي. في المقابل تقول المؤسسات المتضررة إن منعها من الوصول إلى البيت الأبيض بسبب مضمون تغطيتها يمثل مساسا بحقوق الصحافة التي تحميها التعديلات الدستورية الأمريكية. وهذه القضية أصبحت بالفعل أمام القضاء الفيدرالي.
لكن الأخطر من التصريحات المتبادلة هو أن الطرفين بدآ في بناء أدوات جديدة للصراع.
الإعلام يستخدم القضاء وشبكات البث ومنصاته الرقمية، والبيت الأبيض يستخدم منصاته الرسمية ووسائل التواصل والبث المباشر للوصول إلى الجمهور دون المرور بالبوابة الإعلامية التقليدية.
وهنا نحن أمام تحول في طبيعة السلطة نفسها.
فالسلطة في العصر الرقمي لم تعد تملك فقط أدوات القرار السياسي والأمني والاقتصادي، وإنما أصبحت قادرة على صناعة الرسالة الإعلامية وتوزيعها مباشرة على ملايين المواطنين.
وهذا التحول لا يخص الولايات المتحدة وحدها.
العالم كله يعيش منذ سنوات انتقالا من عصر الصحيفة والتلفزيون إلى عصر المنصات الرقمية، حيث يستطيع رئيس الدولة أو الحكومة أو الحزب أو المؤسسة أن يخاطب الجمهور مباشرة، دون أن يمر بالضرورة عبر غرفة الأخبار التقليدية.
لكن الفرق بين الإعلام الرسمي والإعلام المستقل يظل جوهريا.
فالمشكلة ليست في أن يكون للبيت الأبيض منصته الإعلامية، فهذا حق متاح لأي مؤسسة حكومية، وإنما في السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة: هل تصبح المنصة الرسمية مصدرا مكملا للمعلومات أم بديلا عن الإعلام المستقل؟
وهذه ليست معركة ترامب وحده.
إنها معركة على مستقبل العلاقة بين السلطة والمعلومة في أكبر دولة غربية، ومعها سؤال أوسع عن مستقبل الصحافة نفسها في زمن يستطيع فيه السياسي أن يكون رئيسا وصاحب منصة ومصدر خبر في اللحظة ذاتها.
قد تتغير أسماء الشبكات وقد تنتهي الأزمة أمام القضاء، لكن السؤال الذي فتحته هذه المواجهة سيبقى قائما:
من يملك الكاميرا يملك جزءا من المشهد، ومن يملك المعلومة يملك جزءا من تشكيل الرأي العام.
وفي واشنطن اليوم يبدو أن الصراع لم يعد فقط على ما تقوله الصحافة عن الرئيس، وإنما على من يملك حق صناعة الصورة التي يراها العالم عن الرئيس والولايات المتحدة.
وهنا تكمن خطورة المشهد الحقيقي.
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،!!