إبراهيم العيسوي: سوق العمل المصري ليس واحدًا.. والعمل اللائق يتطلب إعادة النظر في مفهوم المشتغل
أكد الدكتور إبراهيم العيسوي، أستاذ الاقتصاد بمركز السياسات الاقتصادية الكلية بمعهد التخطيط القومي، أن التعامل مع سوق العمل باعتباره سوقًا واحدًا يخضع بصورة مبسطة لتفاعل العرض والطلب لا يعكس الواقع الفعلي، مشيرًا إلى تعدد أسواق العمل وتنوع أنماط التشغيل، بما يستدعي تطوير السياسات والتعريفات المستخدمة في قياس أوضاع العاملين.
جاء ذلك خلال كلمته في اليوم الثاني من فعاليات المؤتمر الدولي السنوي العاشر لمعهد التخطيط القومي، الذي يناقش قضايا سوق العمل والتنمية المستدامة، موضحًا أن ما طرحه من آراء يعبر عن وجهة نظره الشخصية ولا يمثل بالضرورة رأي معهد التخطيط القومي.
وتناول العيسوي خلال كلمته أربعة محاور رئيسية، شملت العمل والحق في العمل اللائق وسبل تحقيقه، والتصور الواقعي لسوق العمل المصري، وسوق العمل والذكاء الاصطناعي، والتطورات التي يشهدها سوق العمل المصري.
العمل اللائق وحقوق العمال
وأوضح العيسوي أن مفهوم العمل اللائق يستند إلى عدد من الوثائق الدولية، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 والعهدان الدوليان لعام 1966، والتي أرست الحق في العمل واختياره بحرية، إلى جانب الحق في ظروف عمل عادلة وأجر كريم.
وأشار إلى أن مفهوم العمل اللائق ظهر داخل منظمة العمل الدولية عام 1999، في إطار حماية حقوق العمال وتعزيز الحماية الاجتماعية، بالتزامن مع التحولات الاقتصادية المرتبطة بالعولمة وصعود السياسات النيوليبرالية.
وانتقد ما وصفه بالاستخدام الواسع لمفهوم "مرونة سوق العمل"، موضحًا أن المرونة قد تتحول في بعض الحالات إلى مدخل لتقليص حقوق العمال، من خلال منح أصحاب الأعمال مساحة واسعة في تحديد الأجور وساعات العمل والمزايا الاجتماعية.
كما تناول التحديات التي واجهت محاولات وضع مؤشرات دولية لقياس العمل اللائق، مشيرًا إلى وجود مقاومة من بعض الدول لهذه المحاولات، قبل التوافق على مجموعة من المؤشرات الأساسية.
سوق العمل المصري.. أسواق متعددة وليس سوقًا واحدًا
وفي سياق حديثه عن طبيعة سوق العمل، رفض العيسوي التصور النظري الذي يتعامل مع سوق العمل باعتباره سوقًا واحدًا يتحقق فيه التوازن بصورة مبسطة بين منحنى العرض ومنحنى الطلب، مؤكدًا أن هذا التصور لا يعكس الواقع الفعلي.
وأوضح أن الاقتصاد يضم مجموعة كبيرة من أسواق العمل الفرعية، كما ينقسم سوق العمل بصورة رئيسية إلى قطاع نظامي وآخر غير نظامي، لافتًا إلى أن حجم العمل غير النظامي يصل إلى نحو 70% في بعض القطاعات وفقًا للتقديرات التي أشار إليها من بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وأشار إلى أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أجرى حصرًا للعمل غير النظامي خارج المنشآت، في حين أن العمالة داخل المنشآت تكون موثقة ضمن التعداد الاقتصادي.
انتقاد معيار «ساعة عمل»
وانتقد أستاذ الاقتصاد التعريف التقليدي للمشتغل المعتمد في الإحصاءات الدولية، والذي يعتبر الشخص مشتغلًا إذا كان في سن العمل وقضى ساعة واحدة على الأقل خلال الأسبوع المرجعي في عمل ما.
وتساءل العيسوي عن مدى تعبير هذا المعيار عن حقيقة العمل، قائلًا إن احتساب ساعة واحدة فقط لا يعكس بالضرورة حصول الشخص على أجر عادل أو تمتعه بحقوق العمل والحماية الاجتماعية.
ودعا إلى البحث عن تعريف أكثر واقعية للمشتغل، بدلًا من الاكتفاء بالتعريفات التقليدية المستخدمة في الإحصاءات، مشيرًا كذلك إلى تعدد تعريفات وخطوط الفقر، وعدم اقتصار هذه الإشكالية على مصر أو الدول النامية، وإنما وجودها أيضًا في الاقتصادات المتقدمة، ومنها الولايات المتحدة.
قانون العمل الجديد وتحديات التطبيق
وتناول العيسوي مشروع قانون العمل الجديد في مصر، مشيرًا إلى عدد من الترتيبات الجديدة، من بينها إنشاء محاكم عمالية متخصصة بهدف سرعة الفصل في القضايا، والاعتراف بأنماط العمل الحديثة مثل اقتصاد العمل الحر (Gig Economy) والعمل عبر الإنترنت، إلى جانب الإقرار بالحق في الإضراب باعتباره حقًا دستوريًا.
وفي المقابل، أشار إلى وجود تحديات أمام ممارسة هذا الحق، في مقدمتها الاشتراطات والإجراءات التي قد تقيد ممارسة الإضراب السلمي، فضلًا عن التحديات المرتبطة بالحريات النقابية والتجمع السلمي، بحسب رؤيته.
وأضاف أن التحولات الاقتصادية والضغوط المرتبطة بأزمات الديون والشروط المرتبطة بالمؤسسات الدولية تمثل عوامل مؤثرة في توجهات سياسات سوق العمل.
العمل اللائق وأهداف التنمية المستدامة
وتطرق العيسوي إلى الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي، مشيرًا إلى وجود فجوة بين المستهدفات الدولية ومستوى التنفيذ، في ظل عدم توافر الظروف والسياسات الملائمة لتحقيق العمل اللائق بصورة كاملة.
وأكد أن مفهوم العمل اللائق لن يتحول إلى واقع فعلي ما لم يرتبط بفلسفة اقتصادية واجتماعية ملائمة للتنمية، مشيرًا إلى نموذج "الدولة التنموية الديمقراطية المعتمدة على الذات" باعتباره الإطار الذي يراه مناسبًا لتحقيق ذلك.
كما تناول في كلمته تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، في إطار التغيرات المتسارعة التي يشهدها هيكل الوظائف والمهارات المطلوبة، إلى جانب التطورات التي وصفها بالمزعجة في سوق العمل المصري.
واختتم العيسوي بالتأكيد على أهمية إعادة النظر في المفاهيم والأدوات المستخدمة لفهم سوق العمل، بما يتوافق مع تعدد أسواقه وتنوع أنماط التشغيل، وبما يضمن أن تعكس المؤشرات الإحصائية الواقع الحقيقي للعاملين ومستويات التشغيل والدخل والحماية الاجتماعية.