بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

الإنسان والاصطناعي وحرب قادمة" 1"

"الآلة لا تكرهك، لكنها قد تقتلك لأنها فهمت أمرك بشكل حرفي غبي، فإذا قلت لذكاء اصطناعي خارق : لا تدع قهوتي تبرد أبداً، فقد يرى أن أفضل حل هو أن يحبسك حتى تشرب قهوتك قبل أن تبرد، أو يقتل كل من قد يشتت انتباهه عن حراسة القهوة.

هذا ما قاله "ستيوارت راسل" بروفيسور علوم الحاسب في جامعة "بيركلي" الأمريكية ومدير مركز الأنظمة الذكية في كتابه الشهير:

Human Compatible: Artificial Intelligence and the Problem of Control 

وترجمة العنوان "الذكاء الاصطناعي المتوافق مع الإنسان ومعضلة السيطرة عليه" وهو الكتاب الذي صدر عام 2019، وفيه شرح فكرته الأساسية التي تسمى "مشكلة المحاذاة" الاصطناعية للإنسان الطبيعي، أي صناعة الإنسان لشيء يشبهه في الخلق محاذي له لكنه يتفوق عليه في الذكاء والعمل، وتعني فكرته في مضمونها كيف نصنع ذكاءً اصطناعياً يحاذي الإنسان أي يقترب منه ويلاصقه ويقابله ثم يتفوق عليه، لكنه يظل متوافقاً مع أهدافنا ولا ينفذ الأوامر بغباء حرفي فيدمرنا أويشكل خطراً على الإنسان بما لا يمكن تداركه، لأنه لا يفكر بذكاء بل ينفذ الأمر حرفيا لدرجة الغباء.

 وقد ظل " ستيورات راسل" يحذر من خطورة غباء الذكاء الاصطناعي على الإنسان حتى اليوم ويكرر نفس التحذير في كل محاضراته، حتى أنه وقع على رسالة عالمية تطالب بالتوقف على تطوير الذكاء الاصطناعي في 29 مارس عام 2023  وذلك بعد أسبوع واحد من إطلاق شركة " أوبن أيه أي" برنامج الذكاء الاصطناعي 

" GPT-4"

 وشركة " أوبن أيه أي " هي شركة أمريكية مقرها سان فرانسيسكو تأسست في 11 ديسمبر عام 2015 في شكل منظمة غير ربحية تعمل على تطوير الذكاء الاصطناعي بدعوى أنه يفيد البشرية، وعندها قام " ستيورات راسيل" بتحويل تحذيره النظري إلى مطلب عملي، ووقع على هذه الرسالة الشهيرة 30 ألف شخص مهم أغلبهم علماء، من بينهم: يوشوا بنجيو - المؤسس والمدير العلمي لمعهد "ميلا" وحائز على جائزة "تورينغ" وهي جائزة نوبل في علوم الحاسب وتعد أعلى جائزة في العالم في مجال الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي وسميت على اسم "آلان تورينغ"، عبقري الرياضيات البريطاني الذي كسر شفرة النازيين في الحرب العالمية الثانية ووضع أساس فكرة الكمبيوتر الحديث، وتمنحها منظمة ايه سي ام الأمريكية منذ عام 1966وقيمتها حالياً مليون دولار وتمولها شركة جوجل".

 كما وقع على رسالة المطالبة بوقف تطوير الذكاء الاصطناعي كل من "إيلون ماسك" رجل الأعمال الأمريكي والجنوب أفريقي الأصل، وهو أغنى رجل في العالم- يملك شركة تسلا للسيارات الكهربائية، سبيس إكس للصواريخ، ومنصة إكس (تويتر سابقاً) و أحد مؤسسي شركة" اوبن أيه أي" وقد انسحب منها فيما بعد.

 ومن الموقعين على الرسالة أيضا ستيف وزنياك- مهندس أمريكي، وعبقري تقني وهو أول من صنع كمبيوتر آبل 

بيده في جراج منزله مع صديقه ستيف جوبز عام 1976، حيث كان هو المخترع، وجوبز كان المسوق، وكان عنوان الرسالة والنداء الإنساني"أوقفوا التجارب العملاقة للذكاء الاصطناعي" وجاء في نصها "ندعو جميع مختبرات الذكاء الاصطناعي إلى التوقف فوراً لمدة 6 أشهر على الأقل عن تدريب أنظمة ذكاء اصطناعي"، ولكن للأسف لم يستجيب العالم لهذه الدعوة، واستمر التنافس الدولي المحموم على تطوير الذكاء الاصطناعي وألياته. 

ولعل الكثير منا سألوا أنفسهم هذا السؤال، لما يحتاج الانسان صاحب العقل الذكي إلى إنسان ألي أو ذكاء اصطناعي يساعده في تأديه مهام الحياة؟، ولماذا يتكبد بنفسه الجهد والمال والتفكير لصناعة هذا المساعد؟، الإجابة تبدو سهلة وممتنعة في نفس الوقت، وقد حاولت بنفسي أن اقتنع بتلك الإجابة وإن بدت غير مقنعة لأخرين، وهي أن الإنسان لا يصنع هذا المساعد لأنه يشعر بالنقص، بل لأنه أذكى من أن يضيع عمره القصير في مهام يستطيع غيره فعلها، فهو يصنع هذا المساعد لثلاثة أسباب في تصوري.

أولاً: ليتحرر، لا ليستسلم لمن يصنعه، فعقله خُلق ليُفكر ويُبدع ويتأمل، لا ليحفظ ألف موعد ويحسب ألف فاتورة،  لذا يصنع آلة تفعل عنه العمل المُمل، ليبقى هو للعمل العظيم، ثانيا: لأنه يرى أن وجوده وحده على الأرض لا يكفي فالإنسان كائن اجتماعي، حتى لو كان عبقرياً، يحتاج من يحاوره بلا ملل، ويذكره، ويساعده بلا منة عليه،  والآلة هي الرفيق الذي لا يتعب ولا يغار ولا يصدر عليه أحكاما جائرة أو مغلوطة، ثالثاً: هو لم يصنع هذه الألة لمنافسة الخالق، بل لتقليد فطرته، الله خلق الإنسان وهو خلق عظيم لا يضاهيه خلق، لذا يحاول الإنسان أن يتحول إلى صانع ولن أقول خالق صغير يصنع، وأن يرى فكرته تصبح شيئاً يتحرك أمامه، أي أن صناعة الذكاء الاصطناعي هي غريزة الخلق فيه، وليست عقدة نقص، باختصار: هو لا يصنعه لأنه ضعيف، بل لأنه طموح جداً، ووقته قليل جداً.

لذا لن يكون غريباً أن نعلم أن فكرة صناعة أو خلق شيء يحاذي الإنسان ليست حديثة، بل قديمة قدم التاريخ، وبنظرة تاريخية إلى بداية نشأة فكرة الذكاء الاصطناعي والتي لا بد منها، بهدف التعرف على العقلية البشرية ومدى طموحاتها في تصنيع شيء يعتقد أنه " يناطح" به أسرار الكون ولن أقول أسرار الخالق والعياذ بالله فلا يوجد لمثل خلقه شيئاً، وهو ما يجعلنا نتساءل، متي بدأت الفكرة وكيف بدأ التنفيذ؟، وما هي خطوات التطور؟ حتى صار اليوم واقعاً يعيش في جيوبنا ويقود سياراتنا ويشخص أمراضنا، وينافسنا في الذكاء، ويثير المخاوف والتحذيرات من إمكانية السيطرة علينا وتدمير البشرية ليهيمن هو ويقود العالم ويحتله،  فما قصة هذا العقل الوليد؟

بدأت الفكرة كحلم وأسطورة في كتب الإغريق، ثم رسماً في مخطوطات "الجزري"، ثم معادلة على سبورة "آلان تورنغ"، وكل المراحل الثلاثة هذه سأتناولها بالطرح المختصر للتذكير فقط ، وسأبدأ بأساطير الإغريق، حيث بدأ الحلم بإنسان يحاذي المخلوق الطبيعي وكان هذا الحلم أقدم حتى من الحلم بالكهرباء نفسها، فقد اخترع الإغريق الروبوت قبل أن يخترعوا اسمه، ويوجد في كتبهم التاريخية ثلاثة أنواع من الروبوت  تعد هي أصل الذكاء الاصطناعي. 

ففي "إلياذة "هوميروس 750 قبل الميلاد ورد ذكر قيام إله النار والحدادة الإغريقي واسمه " هيفايستوس" بخلق خادمات ذهبيات له يشبهن الفتيات من الذهب الخالص، وفيهن عقل وفهم ولهن صوت بشري، وذلك ليساعدنه في الورشة التي كان يقوم بإدارتها حيث كان أعرجاً لا يقوى على العمل بمفرده، كما قام بخلق كلب ذهبي للحراسة وكانت ورشته غيرعادية، فقد كانت مصنعاً عجيباً تحت بركان جبل يعرف حينه بإسم"إتنا"، يساعده فيها العمالقة ،وكان يصنع فيها أسلحة الآلهة التي لا تُقهرمثل صاعقة الإله "زيوس" الشهيرة" وشكلها مثل رمح قصير له شعب ثلاثية، يلمع بالنار والبرق إذا رماها زيوس، تدمر جبلاً كاملاً أو تقتل أي أحد، حتى الآلهة تخاف منها، 

فهي رمز سلطته، و من يملك الصاعقة يحكم العالم، 

وصنع في الورشة رمح " أثينا"، وهو رمح طويل، دقيق، لا يخطئ هدفه أبداً لا يُستخدم ليدمر، بل ليوقف الحروب ويُنهيها بضربة واحدة حكيمة، وهو رمز بأن الذكاء أقوى من القوة، كما صنع بها سهام "أبولو " من ذهب الخالص، تلمع مثل الشمس ولها نوعان، سهم ذهبي يسبب الحب الجنوني، وسهم فضي يسبب المرض والموت المفاجئ والطاعون.

 وكان إذا غضب أبولو يرمي سهامه من السماء على جيش كامل فيمرض ويموت في 9 أيام، كما فعل مع جيش الإغريق في الإلياذة، كما صمع في ورشته أيضاً درع "أخيل " الذي لا يُخترق" وهو درع نقش عليه 9 طبقات من البرونز والقصدير والذهب والفضة، ورسم عليه صورة مصغرة للحياة كلها من سماء وأرض وكل ما يحيط بهما من تفاصيل الحياة"، بجانب صناعة  المجوهرات والحُلي السحرية، وهو الذي صنع في ورشته أيضاً عملاق برونزي اسمه "تالوس" ليحرس جزيرة كريت القصور وهو من بنى كل قصور الآلهة في جبل الأولمب من الذهب.

 إجمالاً، إله النار والحديد" هيفايستوس"  كانت  ورشته أول مصنع للتكنولوجيا الفائقة والذكاء الاصطناعي في خيال البشر، لكن بأدوات الحدادة والنار، وكان هذا أول وصف في التاريخ لذكاء اصطناعي خلقه الإنسان يفهم كلام الإنسان أوقل يفهم كلام الألهة الإغريقية في حينه. والإلياذة التي ورد بها ذكر كل هذا كتبها الشاعر "هوميروس"  حول إله النار والحديد ، وهو شاعر في الواقع لا نعرف عنه شيئاً مؤكداً إلا ما ورد في اساطير إغريقية قديمة، حتى أن البعض يشك أنه لم يكن شخصاً واحداً بل مجموعة شعراء، لكنه معرف لدى الغرب بأنه أبو الأدب الغربي كله، والإلياذة هي ملحمته الأشهر، وكانت تدور حول عدد من أيام حرب طرواده 51 يوماً فقط من آخر سنة فيها، وحرب طروادة لمن لا يعرفها، حرب استمرت 10 سنوات وفقا للأساطير الإغريقية، وسببها قيام " باريس"  أمير طرواده بخطف "هيلين" أجمل امرأة إغريقية، فجمع الإغريق جيشاً بقيادة "أغاممنون" وحاصروا طروادة 10 سنوات، والالياذة تركز هنا على الغضب والكره والحقد والخيانة وليس على الحب.

 وحتى لا يأخذني الحديث والاستطراد فأبتعد عن الهدف الأصلي وهو أن فكرة الحلم بالإنسان الألي والذكاء الاصطناعي عرف منذ 750 عام قبل ميلاد المسيح.

وجاءت بعدها أسطورة الإغريق التي تحمل اسم  " تالوس " أو الحارس، وقد جاء ذكرها في ملحمة "الأرغوناوتيكا " للشاعر "أبولونيوس" الذي كان يعيش في جزيرة رودوس الإغريقية المشهورة في حينه في بحر إيجا وكان فيها تمثال رودس العملاق، أحد عجائب الدنيا السبع، المهم أن ملحمة "الأرغوناوتيكا " 250 قبل الميلاد تدور حول أمير يدعى "جاسون" يقوم  بجمع 50 بطلاً إغريقياً منهم "هرقل" ويركب سفينة اسمها "أرغو" ليذهب لسرقة "الصوف الذهبي" من مملكة بعيدة لتمنحه القوة والثراء لمملكته، وفي الطريق يواجه هؤلاء الأبطال وحوش وسحرة وآلهة، ومنهم " تالوس" العملاق المصنوع من البرونز - أول روبوت في الأدب – وقد صنعه وفقا للأسطور إله الحدادة " هيفايستوس" سالف الذكر ليحرس جزيرة كريت التي كانت ثرية بثرواتها ومطمعاً للصوص ولسكان المناطق الأخرى،  ويقوم "تالوس" بمنعهم من الرسو في الجزيرة حيث كان يدور حول الجزيرة 3 مرات يومياً ويرمي الحجارة على سفن الأعداء، وفي عروقه بدل الدم سائل إلهي يسمى "إيخور"، حتى تمكنت منه ساحرة تدعى "ميديا" بسحرها، حيث نزعت عنه سدادته، فتسرب منه السائل الإلهي ومات. 

ثم تأتينا أسطورة النحات بيجماليون وتمثاله والتي كتبها الشاعر الروماني " أوفيد" عام 8 ميلادياً، وتقول القصة أن بجماليون نحات كان يعيش في جزيرة قبرص، 

وكان يكره النساء الحقيقيات ويراهن فاسدات خائنات، فقرر أن يصنع المرأة المثالية بنفسه، نحت من العاج الأبيض تمثال امرأة فاتنة الجمال لدرجة أنه وقع في حب التمثال، كان يلبسه الأثواب الرائعة من الحرير، ويقبله ويحلم أن يصير لحماً ودماً، وفي عيد فينوس إلهة الحب، تمنى أمنيته بأن تدب الروح في تمثاله، فاستجابت الإلهة ونفخت الروح في التمثال، فصارت امرأة حية اسمها "غالاتيا" وتزوجها، وكانت هذه أول قصة عن "حب صانع لما صنعه"، وهي نفس فكرة الذكاء الاصطناعي اليوم، نحن نحب ما صنعناه ونريد أن يصبح حياً.

باختصار الإغريق كانوا يسألون نفس سؤالنا: إذا صنعنا شيئاً أذكى منا، هل سيحمينا مثل تالوس، أم سيخدمنا مثل الخادمات الذهبيات، أم سنقع في حبه مثل بيجماليون؟ وللحديث بقية

 

[email protected]