بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تراجع صادرات النفط الإيرانية يفتح ملف كلفة إيقاف الآبار وإعادة تشغيلها

بوابة الوفد الإلكترونية

لا تتوقف تداعيات أزمة النفط الإيرانية عند حجم البراميل التى تستطيع طهران بيعها أو تخزينها فى الوقت الراهن، إذ يمكن أن تمتد آثار تراجع الصادرات إلى عمليات الإنتاج نفسها، خاصة إذا اضطرت شركات النفط إلى خفض معدلات الضخ أو إيقاف بعض الآبار لفترات طويلة.

وتتعامل التصريحات الرسمية الإيرانية أحيانا مع النفط غير المباع باعتباره احتياطيا يمكن الاحتفاظ به تحت الأرض إلى حين انتهاء العقوبات أو القيود على التصدير، لكن طبيعة صناعة النفط أكثر تعقيدا. فإيقاف الآبار وإعادة تشغيلها لاحقا قد يتطلبان عمليات صيانة وإصلاح واستثمارات إضافية، كما أن بعض الحقول قد لا تستعيد معدلات إنتاجها السابقة بالسرعة نفسها. وهذا بحسب تحليل إيران انترناشونال.

وفى الأول من سبتمبر، قال وزير النفط الإيرانى محسن باك نجاد إن صادرات بلاده لم تتوقف ولو لساعة واحدة خلال الحرب التى استمرت 40 يوما، كما أكد فى وقت سابق عدم تسجيل أى يوم من خفض الإنتاج خلال تلك الفترة. لكن هذه التصريحات لا تجيب عن تداعيات تراجع القدرة على تصدير الخام واقتراب منشآت التخزين من طاقتها الاستيعابية.

وبحسب تقديرات شركة كيبلر الصادرة فى أوائل سبتمبر، تراجعت شحنات النفط الإيرانية من نحو 1.83 مليون برميل يوميا فى مارس إلى قرابة 255 ألف برميل يوميا فى أغسطس، بينما انخفض إنتاج الخام من نحو 3.24 مليون برميل يوميا إلى 1.75 مليون برميل يوميا خلال الفترة نفسها.

وقد يستمر وصول بعض النفط الإيرانى إلى الصين، لكن جزءا من الشحنات التى ظهرت فى الأسواق الآسيوية كان قد غادر إيران قبل تشديد القيود، وظل لفترات على متن ناقلات فى المياه الآسيوية. ولذلك فإن احتساب هذه الشحنات باعتبارها إنتاجا جديدا يخرج من الآبار والموانئ الإيرانية لا يعكس بالضرورة الوضع الفعلى للإنتاج.

عندما تتراجع الصادرات، يكون التخزين هو الحل الأول، سواء فى الخزانات البرية أو المصافى أو الناقلات. لكن هذه القدرة محدودة، وعندما تقترب المنشآت من الامتلاء، ينتقل الضغط تدريجيا إلى قطاع الإنتاج، ما قد يدفع شركة النفط الوطنية الإيرانية إلى خفض إنتاج بعض الآبار أو إغلاقها مؤقتا.

وهنا تظهر طبيعة الآبار باعتبارها أنظمة إنتاج معقدة وليست خزانات جوفية يمكن إغلاقها ثم فتحها من دون آثار. فالنفط يوجد داخل مسامات الصخور وشبكات من الشقوق الطبيعية، وتعتمد حركته على ضغط المكمن وخصائص الصخور وتركيب السوائل وطريقة إدارة عمليات الإنتاج.

ويرى روبن ميلز، الباحث فى مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، أن توقف الإنتاج لا يعنى بالضرورة تعرض معظم قطاع النفط الإيرانى لضرر كارثى أو دائم، مشيرا إلى أن إيران تمكنت فى فترات سابقة من استعادة الإنتاج بوتيرة نسبية بعد التخفيضات المرتبطة بالعقوبات وجائحة كورونا.

لكن قدرة الحقول على تحمل التوقف تختلف من مكمن إلى آخر. وتمتلك إيران عددا كبيرا من الحقول والآبار القديمة، بينها الأهواز ومارون وجاشساران وأغاجاري. وقد تواجه بعض الآبار، خصوصا منخفضة الضغط أو التى تنتج كميات كبيرة من المياه إلى جانب النفط، صعوبة فى العودة إلى التدفق الطبيعى بعد توقف طويل.

وتظل مخاطر التآكل وتراكم الرمال والمواد الصلبة وتعطل المضخات وتداخل تدفقات السوائل بين الطبقات المختلفة قائمة أيضا. وحذرت اللجنة الاستشارية للمكامن التابعة لجمعية مهندسى البترول، فى تحليل سابق لانقطاعات الإنتاج طويلة الأجل، من أن مثل هذه المشكلات قد تجعل إعادة تشغيل بعض الآبار مرتبطة بأعمال إصلاح أو تحفيز أو إعادة إكمال.

يمكن لشركة النفط الوطنية الإيرانية استخدام أسلوب إيقاف الآبار بالتناوب بدلا من إغلاق الحقول بالكامل، وهو ما يقلل مدة توقف كل بئر، لكنه يتطلب مراقبة مستمرة لضغط المكمن وتركيب السوائل وعمليات حقن الغاز وحالة المضخات والمنشآت السطحية.

ويمثل الغاز عاملا آخر فى معادلة الإنتاج الإيراني، إذ تعتمد مجموعة من الحقول القديمة على حقن الغاز للحفاظ على ضغط المكامن وزيادة معدلات استخراج النفط.

وتقدر كيبلر أن متوسط احتياجات حقول النفط الإيرانية من حقن الغاز تاريخيا يبلغ نحو 4.8 مليار قدم مكعب يوميا، أى ما يقارب 136 مليون متر مكعب، بينما لم تكن إيران تضخ حتى قبل الأزمة الكمية التى تحتاجها حقولها بالكامل.

وفى حال اضطرت إيران إلى خفض إنتاج الغاز، ستواجه الحكومة منافسة على الإمدادات بين الاستهلاك المحلى ومحطات الكهرباء والقطاع الصناعى والصادرات وعمليات حقن الغاز فى الحقول النفطية. ولا يعنى انخفاض الحقن توقف الآبار فورا، لكنه قد يؤدى تدريجيا إلى تراجع ضغط المكامن وتقليص كمية النفط القابلة للاستخراج.

تواجه إيران أيضا تحديات خاصة فى الحقول المشتركة مع دول أخرى، ومنها آزادجان ويادآوران وفروزان وسلمان. ولا يعنى تراجع الإنتاج الإيرانى تلقائيا انتقال النفط بنسبة محددة إلى آبار الدول المجاورة، لأن ذلك يعتمد على الخصائص الجيولوجية لكل مكمن.

تكشف هذه العوامل أن حساب كلفة أزمة النفط الإيرانية لا يمكن أن يعتمد فقط على قيمة الصادرات المفقودة. فهناك أيضا تكلفة تخزين النفط، وإدارة الآبار المتوقفة، وإعادة تشغيلها، وإصلاح المعدات، واحتمال تراجع الطاقة الإنتاجية أو معدل الاستخلاص النهائي، إلى جانب المخاطر المرتبطة بالحقول المشتركة.