بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

نحن أولى «بنازا» منهم

 

لا أحد ينام فى تل أبيب من وقع الصدمة والذهول للاستقبال العالمى الذى قوبل به الفيلم الوثائقى البريطانى «نازا». تلك الحفاوة الاستثنائية ظهرت فى مشهد مهيب من التصفيق الحار المتواصل لمدة 25 دقيقة، وهو أكبر رقم قياسى للتصفيق لفيلم ليس فى مهرجان فينيسيا فحسب بل على مستوى أى مهرجان دولى على الاطلاق. لذلك كانت ردود فعل إسرائيل هيستيرية على كافة المستويات، فقد اتَّهم نتنياهو صناع الفيلم بالإضرار بسمعة الجيش الإسرائيلى، وتوعَّد بملاحقتهم قضائيًّا وهدّد المعتوه ميكى زوهر، وزير الثقافة بتجريد المخرجين يوفال وراشيل من جنسيتيهما. واعتبر رئيس الوزراء الأسبق نفاتالى بينت أن هذا الفيلم هو بمثابة «فرية دم» وأن المقصود باسم نازا ليس المصطلح العسكرى أضرار جانبية وإنما ربط متعمد بين الممارسات الإسرائيلية وحقبة النازية.

ويستند نازا إلى سلسلة موثقة من التحقيقات الصحفية نشرت فى مجلة «+972» الإسرائيلية بين عامى 2023 و2025 أدلى بها 24 من ضباط الاستخبارات والجنود، حيث تتبع الفيلم بمهنية واحترافية منظومة إسرائيلية متكاملة لاستهداف المدنيين فى قطاع غزة، تعتمد على المراقبة والذكاء الاصطناعى والقصف عن بعد، والمثير هو ذلك التكتم الشديد. فقد أحاط يوفال وراشيل عمل الفيلم بسرية تامة على مدار ثلاثة أعوام، وقاما بتصوير الشهادات الخطيرة فى جنح الليل فوق أسطح مبانٍ مختلفة فى تل أبيب، مع الحرص التام على إخفاء هوية الجنود وتعديل أصواتهم وملامحهم رقميًا، خشية تعرضهم للبطش والانتقام.

سبحان مغير الأحوال كانت الصهيونية متحكمة فى كافة المؤسسات الغربية وبخاصة الإعلامية التى كانت وما زالت تكمم الأفواه المعارضة للجبروت والفاشية الإسرائيلية، لكن بلغ السيل الزبى، ولم يعد بإمكانهم الوقوف ضد التيار الجارف وانقلب السحر على الساحر.

يستحق مخرجا الفيلم الإشادة والتقدير على شجاعة وإنسانية منقطعة النظير، وقد سبق أن حصد يوفال إبراهيم مع الثلاثى باسل عدرا وحمدان بلال وراحيل تسور، على جائزة الأوسكار 2025 عن فيلم «لا أرض أخرى» «No Other Land» والذى يتناول عنف جحافل المستوطنين فى الضفة الغربية المحتلّة، لو كنت مكان أحمد المسلمانى أو سيف الوزيرى لقمت فورًا بترجمة وعرض هذا الفيلم على أوسع نطاق وما زالت الفرصة سانحة أمام إدارة مهرجان القاهرة السينمائى لاستغلال هذا الزخم العالمى الكبير بدعوة كل من يوفال وراشيل فى النسخة القادمة لعمل دعاية سياسية عظيمة للقضية الفلسطينية عبر إظهار ذلك التعاطف الإنسانى النبيل الذى بلا شك يلمس شغاف قلوب الجميع لطالما استغلت ألة الدعاية اليهودية البعد الإنسانى لمأساة الهولوكست بإنتاج أعظم الأعمال الفنية التى خلدت الذكرى، وحصدت الجوائز العالمية حتى تنال شهرة ومشاهدات واسعة وتبقى أبدًا فى الذاكرة الإنسانية.

أما آن الأوان ولو لمرة واحدة أن نتعلم كيف نسوق ونوصل رسالتنا العادلة باللغة التى يفهمها العالم. ليس عيبًا أن نتعلم من اليهود ونقتدى بتجاربهم إذا كان ذلك سببًا فى كسب معركة الرأى العام العالمي.

هنالك مثل صينى يقول ليس مهمًا لون القط أبيض أم أسود المهم أن يأكل الفئران.

ختامًا لا يجب أن يخضع المسئولون والنخبة لابتزاز الحنجوريين بحجة محاربة التطبيع، فهذا وقت المبادرة الخلاقة وتقديم صورة مغايرة لمجتمعنا العربى تعبر عن القيم الإنسانية المشتركة «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا».