المفاوضات الأميركية الإيرانية بين الضمانات والضغوط.. هل تقترب طهران وواشنطن من تسوية؟
تدخل العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التعقيد، في ظل استمرار الخلافات حول شروط أي تسوية محتملة، وتباين حسابات الطرفين بشأن شكل الاتفاق وضماناته والنتائج التي يمكن أن تترتب عليه.
وبينما تسعى واشنطن إلى ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية على طهران، تتمسك إيران بالحصول على ضمانات ترى أنها ضرورية قبل الدخول في أي اتفاق، في مشهد تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع الحسابات السياسية والاقتصادية.
وتزداد صعوبة الوصول إلى تفاهم بين الطرفين مع استمرار انعدام الثقة، خاصة أن أي اتفاق محتمل لا يرتبط فقط ببنوده المكتوبة، وإنما بمدى قدرة كل طرف على ضمان التزام الطرف الآخر به.
وفي الوقت الذي تريد فيه طهران، بحسب تصريحات خبراء، التأكد من أن أي تسوية ستكون قابلة للاستمرار ولن تتعرض للتراجع لاحقًا، تبدو واشنطن منشغلة بتحقيق أهداف أوسع تتعلق بسلوك إيران الإقليمي وقدراتها العسكرية ونفوذ المؤسسات الأمنية داخل الدولة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى مسار المفاوضات مفتوحًا على أكثر من احتمال، خصوصًا مع تكرار حالات التعثر التي أعقبتها في مراحل مختلفة عودة إلى التصعيد، كما أن الضغوط الداخلية التي تواجه الإدارة الأميركية، إلى جانب الكلفة الاقتصادية والعسكرية للمواجهة، تضيف عاملًا آخر إلى حسابات واشنطن، بينما تحاول طهران الاستمرار في مواجهة الضغوط والتمسك بشروطها قبل أي اتفاق.
إيران تتمسك بضمانات حقيقية
قال اللواء عبد الرحمن شحيتلي، الخبير العسكري، إن النظام الإيراني لا يزال يتمسك بالحصول على ضمانات حقيقية قبل التوصل إلى أي تسوية مع الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن طهران تريد حلًا فعليًا وليس مجرد اتفاق مكتوب يمكن التراجع عنه في مرحلة لاحقة.
وأوضح شحيتلي، أن إيران تطالب الإدارة الأميركية باتخاذ خطوات ملموسة لبناء الثقة قبل إتمام أي اتفاق، في ظل استمرار الخلافات حول مسار المفاوضات وطبيعة التفاهمات التي يمكن الوصول إليها.
ويعكس هذا الموقف أهمية مسألة الضمانات في الحسابات الإيرانية، خاصة في ظل عدم الثقة المتبادلة بين الطرفين، إذ لا تبدو طهران مستعدة، وفق رؤية الخبير العسكري، للقبول بتسوية لا تتضمن آليات واضحة تضمن استمرارها والالتزام بما يتم الاتفاق عليه.
ضغوط أميركية على طهران
وأشار شحيتلي إلى أن الولايات المتحدة لا تتجه حاليًا، وفق رؤيته، إلى إبرام اتفاق مع الحكم الإيراني القائم، موضحًا أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسعى إلى إضعاف النظام الحالي وصولًا إلى تغيير في بنية الحكم.
وأضاف أن هذا التوجه، بحسب تقديره، يشمل الحد من نفوذ الحرس الثوري الإيراني على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، لافتًا إلى أن استمرار إيران في حالة الحرب لفترة طويلة ينعكس على اقتصادها وسياستها واستقرار الحكم فيها.
وتضع هذه الرؤية الضغوط الأميركية على إيران في إطار أوسع من مجرد محاولة الوصول إلى اتفاق بشأن ملف محدد، إذ يرى الخبير أن واشنطن تستهدف التأثير في بنية النظام ونفوذ المؤسسات الرئيسية داخله، وهو ما يجعل فرص التوصل إلى تسوية شاملة أكثر تعقيدًا.
وأكد شحيتلي أن واشنطن تسعى، وفق رؤيته، إلى مواصلة الضغط على طهران إلى حين حدوث تغيير من الداخل، مشيرًا إلى أن مسار المفاوضات شهد أكثر من مرة حالات تعثر أعقبها تجدد التصعيد العسكري.
ويكشف تكرار هذا النمط عن هشاشة المسار التفاوضي، إذ يمكن للخلاف حول بند أو شرط واحد أن يؤدي إلى توقف المحادثات، قبل أن تعود المواجهة والضغوط لتفرض نفسها على المشهد من جديد.
وفي المقابل، لا تزال طهران تراهن، بحسب الخبير العسكري، على قدرتها على الصمود في مواجهة الضغوط الأميركية، مع التمسك بالحصول على ضمانات فعلية قبل القبول بأي تسوية.
الصمود الإيراني في مواجهة الضغوط
ويضع الموقف الإيراني المفاوضات أمام معادلة صعبة؛ فطهران تريد ضمانات واضحة قبل تقديم تنازلات، بينما تستمر واشنطن في ممارسة الضغوط بهدف دفع إيران إلى تغيير حساباتها.
ويرى شحيتلي أن استمرار إيران في مواجهة الضغوط لفترة طويلة ستكون له انعكاسات على الاقتصاد والسياسة والاستقرار الداخلي، وهو ما يجعل عامل الوقت عنصرًا مهمًا في حسابات الطرفين.
وفي الوقت نفسه، فإن قدرة إيران على الاستمرار في مواجهة الضغوط تظل مرتبطة بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، من بينها الوضع الاقتصادي، والقدرة على تحمل الكلفة السياسية والعسكرية، إلى جانب التطورات الإقليمية والدولية المحيطة بالمفاوضات.
وعلى الجانب الأميركي، أوضح الخبير العسكري أن الرئيس الأميركي يواجه أيضًا ضغوطًا سياسية داخل الولايات المتحدة، على خلفية تقارير للكونغرس تتعلق بنقص الذخائر وارتفاع الكلفة العسكرية.
وأشار إلى أن هذه الضغوط قد تؤثر في حسابات واشنطن بشأن استمرار المواجهة، خصوصًا إذا ارتفعت الكلفة العسكرية والاقتصادية لأي مسار تصعيدي.
وتضيف هذه الضغوط الداخلية عاملًا آخر إلى المشهد التفاوضي، إذ لا ترتبط قرارات الإدارة الأميركية فقط بحساباتها تجاه إيران، وإنما تتأثر كذلك بالنقاش الداخلي حول حجم الإنفاق العسكري، ومدى قدرة الولايات المتحدة على تحمل مواجهة طويلة.