الاقتصاد الإسباني ينهض من قاع الأزمات إلى صدارة النمو
في السنوات التي أعقبت الأزمة المالية العالمية مباشرة، كانت إسبانيا نموذجاً يعكس حالة الضعف الاقتصادي التي عانت منها أوروبا.
فبعد انهيار فقاعة سوق الإسكان وأزمة الديون السيادية في منطقة اليورو، تم تصنيف إسبانيا ضمن الاقتصادات الطرفية الهشة التي كانت الأسواق تشكك علناً في ملاءتها المالية.
وبلغ معدل البطالة ذروته عند أكثر من 26% في عام 2013، واحتاج النظام المصرفي إلى حزمة إنقاذ بقيمة 100 مليار يورو، فيما وصل العجز العام في الموازنة إلى نسبة مؤلفة من رقمين.
أما اليوم، ووفقا لتقرير قسم الاقتصاد ببنك قطر الوطني QNB فقد اختلفت الصورة تماماً.
فقد أصبحت إسبانيا واحدة من أفضل الاقتصادات المتقدمة أداءً، حيث نما اقتصادها بنسبة 3.2% في عام 2024 و2.8% في عام 2025، متجاوزاً بفارق كبير منطقة اليورو التي نمت بما يزيد قليلاً عن 1%.
توقعات بتصدر إسبانيا تكتل العملة الموحدة مرة أخرى في عام 2026
ويتوقع أن تتصدر إسبانيا تكتل العملة الموحدة مرة أخرى في عام 2026.
ويعكس هذا التحول مزيجاً من التكيف الهيكلي الذي تحقق بصعوبة والرياح المواتية التي أعادت تشكيل نموذج النمو الإسباني.
فبعد أن كان الاقتصاد يعتمد بشكل مفرط على قطاع البناء ومُعرضاً للصدمات الخارجية، أصبح اليوم يستند إلى قاعدة أوسع وأكثر قدرة على الصمود.
وناقش تقرير قسم الاقتصاد في QNB ثلاثة عوامل تقف وراء التحول الذي شهدته إسبانيا
وهي: قاعدة الصادرات الأكثر تنافسية وتنوعاً، والانتعاش الديموغرافي وتعافي سوق العمل، والديناميكيات الداعمة للاستثمار والطاقة.
أولاً، ساهمت عملية التكيف المؤلمة التي أعقبت الأزمة في استعادة القدرة التنافسية وتوسيع قاعدة الصادرات في الاقتصاد.
ففي السنوات التي تلت عام 2010، تم إدخال إصلاحات واسعة النطاق على سوق العمل عززت التوظيف المستقر والدائم.
كما أدى ضبط الأجور إلى خفض تكاليف وحدة العمل، مما جعل الشركات الإسبانية أكثر قدرة على المنافسة دولياً ودعم تعافي الصادرات.
وبالإضافة إلى ذلك، أعادت الحكومة هيكلة ودمج بنوك الادخار الإقليمية الهشة، مما ساعد على استقرار القطاع المالي. كما رسخت إسبانيا مكانتها كوجهة رئيسية للمشاريع الأجنبية الجديدة والمواهب التقنية، بدعم من مبادرات الرحالة الرقميين.
وقد أتاحت هذه التحسينات للاقتصاد الإسباني التوسع في صادرات الخدمات ذات القيمة المضافة الأعلى في مجالات مثل التمويل وتكنولوجيا المعلومات والخدمات المهنية. وكانت النتيجة اقتصاداً أكثر تنوعاً وتحصناً من الصدمات، وتحولاً من عجز تجاري تاريخي مزمن إلى تسجيل فوائض قياسية في الحساب الجاري.

ثانياً، أصبح الانتعاش الديموغرافي وتعافي سوق العمل من المحركات القوية للنمو.
فبعد أن تسببت الأزمة المالية العالمية في فقدان أكثر من ثلاثة ملايين وظيفة، تعافت مستويات التوظيف منذ ذلك الحين لتبلغ مستويات قياسية، كما انخفض معدل البطالة، رغم أنه لا يزال من بين الأعلى في منطقة اليورو، إلى نحو 10%، أي أقل من نصف ذروته المسجلة في عام 2013.
وكان أحد العوامل الرئيسية وراء ذلك تدفق العمالة الماهرة بدرجة عالية، ولا سيما من دول أمريكا اللاتينية التي تجمعها قواسم ثقافية مشتركة مع إسبانيا.
وقد أدى ذلك إلى توسيع شريحة السكان في سن العمل والقوى العاملة في وقت كانت فيه أجزاء كبيرة من أوروبا تشهد شيخوخة سكانية وانكماشاً ديموغرافياً. كما دعم هذا التدفق من العمال الاستهلاك، وخفف من حدة نقص العمالة الماهرة، ورفع الإمكانات الإجمالية لنمو الاقتصاد، مما ساعد إسبانيا على تحقيق بعض أقوى مكاسب الإنتاجية بين أكبر الاقتصادات الأوروبية في السنوات الأخيرة.

العامل الثالث وفقا ل QNB عززت ديناميكيات الاستثمار والطاقة الداعمة مسار التعافي.
وتُعد إسبانيا من أبرز المستفيدين من برنامج التعافي الأوروبي في مرحلة ما بعد الجائحة، والذي يوجه تمويلاً كبيراً نحو الاستثمار والتحديث في مختلف قطاعات الاقتصاد.
وفي الوقت نفسه، ساهم الاستثمار الكبير للبلاد في الطاقة المتجددة واعتمادها المحدود على الغاز المستورد في حمايتها من أسوأ تداعيات صدمات أسعار الطاقة الأخيرة التي أثقلت كاهل جيرانها الأكثر اعتماداً على واردات الطاقة، مثل ألمانيا.
وإلى جانب تحسن المراكز المالية للأسر والشركات بعد سنوات من خفض المديونية، أسهمت هذه العوامل في دعم الطلب المحلي القوي، مع إبقاء المالية العامة على مسار تحسن تدريجي، في ظل تراجع نسبة الدين حالياً.
وفي المجمل، كما يشير QNB يوضح تحوّل إسبانيا من اقتصاد تضرر بشدة من الأزمات إلى متصدر للنمو كيف يمكن للإصلاحات الهيكلية والتنويع والرياح المواتية أن تتضافر لتغيير آفاق الاقتصاد.
ولا شك في أن التحديات لا تزال قائمة، فمعدل البطالة لا يزال مرتفعاً وفقاً للمعايير الأوروبية، والدين العام يقترب من 100% من الناتج المحلي الإجمالي، كما أن الحفاظ على نمو قوي في الإنتاجية على المدى الطويل يظل أمراً صعباً.
ومع ذلك، فإن التباين مع أعمق مراحل أزمة الديون يظل لافتاً للنظر. فبعد أن كانت إسبانيا تُعد ذات يوم من بين أكثر الاقتصادات الأوروبية هشاشة، أصبحت اليوم تبرز كواحدة من أكثرها ديناميكية.
ويشكل ذلك تذكيراً بأن حتى الاقتصادات الأكثر تضرراً في القارة يمكنها، بمرور الوقت ومن خلال الإصلاح، أن تحقق تعافياً مستداماً.