بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الاستثمار الفكري ومستقبل العالم العربي


لم يكن التقدم التقني في أي مرحلة من التاريخ نتيجة مستقلة عن تطور الفكر، كما لم يكن الفكر قادراً على تجاوز حدوده من دون أدوات جديدة توسع قدرته على الملاحظة والتجريب والإنتاج. فالطباعة لم تقف عن تغيير وسائل نشر المعرفة، بل غيّرت مكانة العلم في المجتمع، وأعادت تنظيم التعليم، ووسعت دائرة المشاركة في إنتاج الأفكار. ثم جاءت الثورة الصناعية لتغير مفهوم العمل والإنتاج، فتبدلت معها النظم الاقتصادية والاجتماعية. وما يحدث اليوم في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة والاتصالات امتداد لهذا المسار؛ إذ يعبر عن مرحلة جديدة في تطور المعرفة نفسها، بما تحمله من آثار على الاقتصاد والإدارة والتعليم والثقافة.
لهذا يصعب الفصل بين التطور التكنولوجي والتطور الفكري. فالتقنية لا تنشأ من فراغ، وإنما تولد من بيئة علمية تسمح بالتجريب والنقد وتبادل المعرفة، ثم تعود بعد ذلك لتؤثر في هذه البيئة، فتغير أساليب التعلم والبحث والعمل والتواصل. وكل تقدم تقني يفتح أسئلة فكرية جديدة تتعلق باستخدامه وآثاره وحدوده، كما أن كل تحول فكري يخلق احتياجات جديدة تدفع نحو تطوير أدوات وتقنيات مختلفة. والعلاقة بين الطرفين ليست علاقة تبعية، وإنما علاقة تراكمية متبادلة مستمرة ما دامت المعرفة الإنسانية تتوسع.
وقد أدى هذا الترابط إلى تغير طبيعة الاقتصاد العالمي. فلم تعد القدرة الاقتصادية تقاس بحجم الموارد الطبيعية أو الطاقة الإنتاجية وحدهما، وإنما أصبحت تقاس أيضاً بقدرة المجتمع على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى تطبيقات عملية. وأصبحت الجامعات، ومراكز الأبحاث، والشركات التقنية، جزءاً من البنية الاقتصادية، لأنها تنتج مورداً يزداد قيمته كلما اتسع استخدامه، بخلاف الموارد التقليدية التي تتناقص بالاستهلاك. ولهذا ارتفعت مكانة البحث العلمي، والملكية الفكرية، والابتكار، لتصبح عناصر أساسية في المنافسة بين الدول.
ولا يقتصر أثر التكنولوجيا على الاقتصاد، بل يمتد إلى طريقة التفكير نفسها. فقد غيرت الثورة الرقمية مفهوم الوصول إلى المعرفة، ولم يعد التحدي متمثلاً في الحصول على المعلومات بقدر ما أصبح في القدرة على تحليلها، والتحقق منها، وربطها بسياقها العلمي والاجتماعي. كما فرضت تطبيقات الذكاء الاصطناعي أسئلة جديدة حول طبيعة العمل، وحدود المسؤولية، ومستقبل التعليم، والخصوصية، وأخلاقيات اتخاذ القرار. وهذه القضايا لا تعالجها التقنية وحدها، وإنما تحتاج إلى الفلسفة والقانون والعلوم الاجتماعية والاقتصاد، وهو ما يؤكد أن التقدم العلمي لا ينفصل عن التطور الفكري.
ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار الفكري بوصفه استثماراً في القدرة على إنتاج المعرفة، لا بالاكتفاء باستهلاكها. ولا يقتصر هذا الاستثمار على الإنفاق على التعليم أو زيادة أعداد الجامعات، وإنما يشمل بناء البيئة التي تشجع على التفكير الحر، والبحث المنظم، والحوار العلمي، وتبادل الخبرات، وربط المعرفة بحاجات المجتمع والاقتصاد. فالمؤسسات التي تنتج الأفكار الجديدة لا تنشأ بقرار إداري، وإنما تتكون عبر تراكم طويل من التعليم الجيد، والاستقرار المؤسسي، واحترام البحث العلمي، وتشجيع المبادرة الفردية.
ولهذا لم تحقق الدول التي تقود الاقتصاد المعرفي مكانتها بسبب امتلاكها تقنيات متقدمة فقط، بل لأنها استثمرت لعقود في الإنسان قبل الآلة. فقد ربطت التعليم بالبحث العلمي، وربطت البحث بالإنتاج، ثم وفرت للشركات والجامعات البيئة التي تسمح بتحويل الأفكار إلى منتجات وخدمات. وأصبحت المختبرات، وحاضنات الأعمال، وصناديق الاستثمار الجريء، وأنظمة حماية الملكية الفكرية، أجزاء مترابطة داخل منظومة واحدة، لا مؤسسات منفصلة يؤدي كل منها وظيفة مستقلة.
أما العالم العربي، فقد شهد توسعاً واضحاً في قطاع التعليم العالي، وارتفع عدد الجامعات والباحثين، وتزايد الاهتمام بالاقتصاد الرقمي والتقنيات الحديثة. غير أن هذا التوسع لم يتحول بالقدر نفسه إلى قاعدة واسعة لإنتاج المعرفة. فما تزال العلاقة بين الجامعات والقطاع الإنتاجي محدودة في كثير من المجالات، ويظل الاعتماد على التقنية المستوردة أكبر من القدرة على تطويرها محلياً. ولذلك بقيت مساهمة البحث العلمي في النشاط الاقتصادي أقل من الإمكانات التي تمتلكها المنطقة.
ولا تعود هذه الفجوة إلى نقص الكفاءات بقدر ما هي بسبب طبيعة المنظومة التي تعمل فيها. فالجامعة تنتج معرفة لا تجد دائماً طريقها إلى الصناعة، والشركات تبحث عن حلول سريعة من الأسواق الخارجية، بينما تبقى المؤسسات التي تتولى نقل المعرفة بين الطرفين محدودة التأثير. ونتيجة لذلك، يفقد كثير من الجهد العلمي فرصته في التحول إلى منتج أو شركة أو تقنية جديدة، رغم ما يحتويه من قيمة علمية.
ويحتاج هذا الواقع إلى إعادة تنظيم العلاقة بين التعليم والاقتصاد، بحيث يصبح البحث العلمي جزءاً من عملية الإنتاج، لا نشاطاً منفصلاً عنها. ويتطلب ذلك تشجيع الشركات على الاستثمار في البحث والتطوير، وتوسيع دور مراكز الابتكار، وتوفير أدوات تمويل للمشروعات التقنية، وإتاحة المجال أمام الباحثين للمشاركة في تأسيس الشركات ونقل نتائج أبحاثهم إلى الأسواق. كما يتطلب تطوير التشريعات التي تحمي الملكية الفكرية، لأنها تمنح الابتكار قيمة اقتصادية، وتشجع المستثمر على تمويله.
ويمتلك العالم العربي فرصاً حقيقية لبناء اقتصاد أكثر اعتماداً على المعرفة، ليس بسبب موارده المالية فقط، وإنما بسبب تركيبته السكانية أيضاً. فارتفاع نسبة الشباب، واتساع استخدام التقنيات الرقمية، وانتشار التعليم الجامعي، عوامل يمكن أن تتحول إلى قاعدة للإبداع إذا ارتبطت بسياسات طويلة المدى تعطي الأولوية لإنتاج المعرفة. كما أن التحديات التي تواجه المنطقة في مجالات المياه والطاقة والغذاء والصحة والبيئة تمثل ميادين مناسبة لتطوير حلول تقنية محلية، قد تتحول مع الوقت إلى صناعات قادرة على المنافسة خارج الحدود الوطنية.
ولا يتطلب هذا التحول القطيعة مع التجارب العالمية، بل الاستفادة منها. فالتكنولوجيا تنتقل عبر التعاون، والشراكات، والتدريب، والاستثمار، لكن قيمتها الحقيقية تظهر عندما تصبح أساساً لبناء خبرة محلية قادرة على التطوير والإضافة. فالاقتصاد الذي يستهلك التقنية يظل مرتبطاً بمن ينتجها، أما الاقتصاد الذي يتعلم منها ثم يطورها، فإنه يوسع تدريجياً مساحة استقلاله العلمي والإنتاجي.
إن الحديث عن المستقبل في العالم العربي لا يجب أن يبدأ بالتكنولوجيا نفسها، وإنما ببناء القدرة على إنتاج الفكر الذي يقودها. فكل تحول تقني كبير سبقته بيئة علمية وثقافية سمحت بظهور الأفكار الجديدة، ثم وفرت لها المؤسسات التي تنقلها إلى المجتمع والاقتصاد. وما يحتاجه العالم العربي اليوم هو بناء منظومة تجعل إنتاج المعرفة عملاً مستمراً، وتجعل الاستثمار في الإنسان أساساً للاستثمار في التكنولوجيا. وعندها يصبح التطور التقني نتيجة طبيعية لتطور الفكر، ويغدو الاستثمار الفكري جزءاً من مشروع اقتصادي طويل المدى، لا برنامجاً مؤقتاً تفرضه تحولات العصر