قطوف (من وحي القلم)
شباب غزة… جيلٌ كبر على صوت الحرب ولم يتخلَّ عن الحلم
لم تكن سنوات الشباب في غزة كما ينبغي أن تكون، فبدلًا من أن تكون مرحلةً لبناء الأحلام، واكتشاف الذات، وإكمال الدراسة، والانطلاق نحو العمل والمستقبل، وجد آلاف الشباب أنفسهم أمام واقعٍ أثقل من أعمارهم، واقعٍ فرضته الحرب وما خلفته من أعباء قاسية وتحديات لا تنتهي.
في غزة، لم يعد السؤال الذي يشغل الكثير من الشباب ماذا نريد أن نكون في المستقبل؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا كيف سنعيش اليوم؟ وكيف يمكن تأمين لقمة العيش في ظل واقعٍ أنهك الحياة، وأغلق الكثير من الأبواب أمام جيلٍ كان ينتظر فرصته ليبدأ؟
لقد أرهقت الحرب الشباب، ليس فقط بما خلفته من خسائر وتعطيل لمسار الحياة، بل بما فرضته من مسؤوليات جديدة. شبابٌ فقدوا آباءهم، فوجدوا أنفسهم فجأة أمام مسؤولية رعاية أسرهم، والبحث عن احتياجات إخوتهم وأمهاتهم، وتحمل أعباء لم يكن من المفترض أن يحملوها في هذه المرحلة من العمر، وبينما كان أحدهم يحلم بإكمال تعليمه أو الحصول على وظيفة وبناء مستقبله، أصبح يفكر في كيفية حماية أسرته وتوفير احتياجاتها الأساسية.
وهناك على الجانب الآخر طلابٌ اجتهدوا رغم كل الظروف، وحصلوا على معدلات مرتفعة، حاملين في أيديهم شهادات التفوق وفي قلوبهم أحلامًا كبيرة، لكنهم يقفون اليوم أمام مستقبلٍ غامض، يتساءلون: إلى أين سنذهب بأحلامنا؟ وكيف يمكن لهذا التفوق أن يجد طريقه في واقعٍ يفتقر إلى الاستقرار والفرص؟
إن المؤلم ليس في أن شباب غزة يواجهون الظروف الصعبة فقط، بل في أن سنواتٍ كاملة من أعمارهم تمر وهم ينتظرون فرصة للحياة الطبيعية. ينتظرون مقعدًا دراسيًا، أو فرصة عمل، أو بابًا يُفتح أمام طموحاتهم، أو حتى بصيص أملٍ يشعرهم بأن تعبهم لن يضيع.
ومع ذلك، فإن هذا الجيل لم يتخلَّ عن الحلم.
رغم كل ما أثقل كاهله، ما زال شباب غزة يحاولون. يحاولون الدراسة، والعمل، ومساعدة أسرهم، والبحث عن فرصة، والتمسك بأحلامهم مهما بدت بعيدة. ربما تأجلت الكثير من الخطوات، وربما تغيرت الأحلام، لكن الرغبة في الحياة ما زالت حاضرة.
شباب غزة لا يحتاجون إلى الشفقة، بل إلى فرصة حقيقية. يحتاجون إلى بيئة تتيح لهم استكمال تعليمهم، وفرص عمل تحفظ كرامتهم، ومساحات آمنة يستطيعون من خلالها استعادة دورهم في المجتمع وبناء مستقبلهم.
إن الاستثمار في الشباب ليس رفاهية، بل ضرورة. فهؤلاء الذين كبروا قبل أوانهم، وحملوا مسؤوليات تفوق أعمارهم، ما زالوا يمتلكون القدرة على التعلم والإبداع والعطاء إذا ما وجدوا من يمنحهم الفرصة.
شباب غزة ليسوا مجرد جيلٍ أتعبته الحرب؛ إنهم جيلٌ يحاول أن ينهض كل يوم رغم ثقل الواقع، وأن يحافظ على حلمه رغم الغموض، وأن يتمسك بحقه في مستقبلٍ أفضل.
وربما تكون أعظم رسالة يمكن أن نقولها لهم اليوم: إن أحلامكم لم تنتهِ، حتى وإن تأخر الطريق إليها… فما زال في العمر متسع للحلم، وما زال في الإنسان قدرة على البدء من جديد