سلاحها كان البراءة وبدلا من الوقوف في الفناء المدرسي ،كانت الوجهة هي درج النقود .
مقطع فيديو يكشف السرقة ..
حدوتة من لحم ودم
عبر مقطع للفيديو ظهر مصادفة خلال شبكات التواصل الاجتماعي ،تبدت الفاجعة أو شئت أن تسميها عزيزي القارئ ظهرت السوءة من دون مواربة ، بانت جلية بلا ظلال للمجاز أو التخيل ، المشهد كان لثوان معدودات ، بدت فيه الطفلة الصغيرة ابنة المحلة الكبرى والتي أكملت عشر سنوات من العمر الزمني وازدادت عاما ،تغافل صاحب المحل ثم تتجه بخبرة محترف في الأربعين من عمره إلى درج النقود ،تسلت بضعة فئات عريضة من البنكنوت وتدسهم في صدرها الذي لم ينمو بعد ،مختفية ...كررت مشاهدة المقطع بضع مرات ،وربما تكرره أنت عزيزي القاريء ، لتصطدم بملامح باردة واثقة مشرعة سلاحا هو البراءة ،براءة الطفلة التي يصعب أن تصدق أن مثل هذا العمر من حياة ابن آدم يسكنه الشر ،أو يتلبسه الجرم .....بثبات اتجهت جهة درج المال ،وبخفة استلت الأوراق المالية ،وبإقدام غادرت موقع الجريمة ،هي بنت السنوات الإحدى عشر .
- الهوية والهاوية .
كنت قد عزمت السفر إلى مدينة المحلة الكبرى وتحديدا دائرة قسم ثان ،حيث جاء المحضر الرسمي الذي دون الواقعة عقب فحص الفيديو وتقنين إجراء البحث والتقصي و الضبط من خلال صفحة وزارة الداخلية ، باب الاستغاثة للعوام ومن ليس لهم ظهير للوصول إلى حماة الأمن ، جاء في المذكرة الرسمية أن الفتاة القاصر تسكن في دائرة ثان المحلة ،والأغرب أن أصحاب المحلات المسروقة لم يتقدموا ببلاغ ،وذلك لسبب بسيط وهو انتفاء الشك أن يكون السارق طفلا لم يكمل العقد والنصف من عمره .فقط مقطع الفيديو هو المبلغ وهو الشاكي وهو أيضا المشكو في حقه ،وكنت قد احتفظت بسؤالي قاصدا المحلة الكبرى لإيجاد الجواب ..."هل سرقت الفتاة لمرض أبيها أو علة تصيب أمها فقصدت بالسرقة بهدف توفير الدواء ؟، أم كانت السرقة بدافع توفير الخبز لإخوة لها لم تتحمل صرخات جوع ألمت بهم ؟"
غير أن الجواب الصادم ،ان السرقة تمت بهدف آخر ،هو قضاء ملذات الطفلة والانفاق على مشترياتها من أي شيء تشتهيه ،لتتوافر هنا عناصر الخسة البشرية في طفلة لم تبلغ المحيض بعد ،إذا أن الدافع بلغة العلوم الجنائية كان بهدف الترفيه والترويج وليس لحاجة ملحة أو مسؤولية أستشعرت الطفلة دورا فيها ..
وكنت قد عزمت التقاط صورة لمنزل الطفلة أو الحديث لأحد أبويها وعرض الحديث لحضراتكم غير أني تذكرت نمطا أخلاقيا واجهتني به نفسي ، عبر تساؤل شديد المباشرة "هل سيكون الانتصار هنا للبحث عن انفراد خاص بعائلة الطفلة فيزيد الانفراد الطين بلة ؟ ام أن الهدف هو جرس انذار للوطن مفاده أن أبنائنا فقدوا معيار القيمة وموازين الخلق الإنساني ؟
وقد ارتأيت أن يتغلب الوقار البشري على فضول ابن ادم مخافة أن تكون الكلمات هي رصاصة تلاحق الفتاة مع امتداد عمرها ، خشيت أن تكون الكلمات سكينا تنهل على ما تبقى منها و فيها ويمكن إعادة تقويمه ...وقد اطلعت على قرار النيابة بايداع الفتاة داخل أحدى دور الرعاية ، فينتابني سؤال آخر /كيف ستكون دور الرعاية منقذا لهذه الفتاة وهل ستزيد من الامر اصلاحا وتهذيبا أم ستلتقي بقاتلة أو سارقة في عمرها فتزرع فيها بذور إجرام من نوع مختلف .
- ليست وحدها .
صار التساؤل الملح متلخصا "هل تعلم الفتاة أن ما تفعله يشكل جريمة وخطيئة أم أن عقلها وفق مفردات الجيل الذي تنتمي إليه وجدت في السرقة جسارة واقداما وانتصارا ؟،وهل هذا التصرف مقصورعلى أبناء الفقراء أو قاصر على أطفال أهمل ذويهم فعل التربية ؟
لكن الإجابة التي كانت أكثر صدمة أتتني عبر الاخصائية النفسية نسرين شاهين اخصائي علم النفس الإكلينكي والباحث في سلوك المراهقين واضطرابات المسلك والسلوك ،حملت كل الأسئلة متوجها إليها فجاءت الإجابة عارية بلا مساحيق تجميل :" للأسف فعل السرقة التي قامت به الفتاة أصبح اضطراب مسلك ينتهجه الاف ممن هم في طور المراهقة الأولى ويستمر السلوك المضطرب تصاعديا حتى مرحلة المراهقة المتأخرة ، حيث يتكون سلوك السرقة بداية عبر سلوك أو اضطراب يسمى اضطراب الشخصية العنادية ،فيها يلجأ المراهق لاستخدام أفعال الهدف منها كسر السيطرة الأبوية للشعور باستقلاله وإمكانه عمل أمر لا يمكن اكتشافه أو تكشفه فيستشعر نشوة من نوع مختلف ،هذا الاضطراب ليس عند الفقراء من الناس داخل الوطن ،فهناك عائلات يعمل ذويها في مهن راقية وتظهر عند أبنائها هذا الاضطراب السلوكي ،فالمشكلة الرئيسية هي الميزان والمعيار الأخلاقي عند المراهق الذي يزن به الفعل والسلوك ،فمثلا عقوق الوالدين وفق الميزان الأخلاقي لبعض المراهقين هو حرية رأي وحالة من الاعتراض ورفض السيطرة والهيمنة الأبوية ،وبالتالي فإن النقاش مع المراهق أثناء جلسة تعديل السلوك تتطلب فهم الميزان أو المحك بلغة التشخيص الذي يزن ويقيم به المراهق السلوك ،ومن العقوق إلى فعل السرقة ،التي يراها بعض المراهقين حق مكتسب لأنه لا يأخذ مالا من اخرين إنما هو يسترقه لأنه محروم داخل بيئته وأسرته ،فهو يسرق لإشباع حاجته التي تتمثل في "كارت شحن لعبة داخل فضاء الانترنت "
أين يكمن الحل ؟
عبر ما قالته الاخصائية النفسية فإن مكمن الحل ليس في الميزان الذي يزن به الإباء الأفعال ولا الميزان الذي يزن به المجتمع السلوك الإنساني ،هناك عوار أصاب هذا الميزان فبات صراخ الأبناء وفظاظتهم وفق ميزانهم ناتج عن عقوق الأبناء ،المصطلح الشيطاني الذي ظهر مع جيل الأندرويد ،وإذا سالت أحدهم ماذا يعني عقوق الأبناء يخبرك بأن والديه أسأوا معاملته ،فإذا افردت في السؤال عن مظاهر هذه الإساءة تجد المراهق لا يحصي من الأمور إلا قدرا من لغط متداخل غير مترابط .
ولعلنا نستشف تجربة اليابان عبر نسقها التعليمي ،تلك التجربة التي دشنت مادة تربوية شديدة الأهمية في فصول الدراسة فيها ،هي مادة فلسفة الأخلاق " ،إذ لا ينتج المخرج التعليمي بلا غلاف واطار أخلاقي " ومن هنا ربما يكون ذلك الموضوع هو جرس انذار واستغاثة للنظر في الأمر ،بأن تدمج فلسفة الأخلاق ضمن المواد التعليمية التي يدرسها أبناء هذا الوطن ،شريطة أن تكون مادة لها ثقل ووزن نسبي لا مادة لا تضاف للمجموع فيتم الاستهانة بها .