بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

أمريكا تحارب إيران... والسندات تحارب أمريكا ،،،!!

عندما تتحول الحرب من صواريخ في الشرق الأوسط إلى أزمة في قلب الاقتصاد الأمريكي ،،

لم تعد الحرب الأمريكية على إيران مجرد مواجهة عسكرية تجري في سماء الشرق الأوسط، ولم تعد نتائجها تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو المنشآت التي تعرضت للقصف.

هناك معركة أخرى تجري بعيدًا عن غرف العمليات العسكرية.

معركة لا يسمع العالم صوت انفجاراتها، لكنها قد تكون أكثر تأثيرًا على مستقبل القوة الأمريكية: معركة السندات والدين والتضخم والدولار.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

بينما تتحرك واشنطن عسكريًا في مواجهة إيران، يجد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت نفسه أمام جبهة أخرى داخل الولايات المتحدة، جبهة تتعلق بارتفاع تكلفة الاقتراض، وصعوبة السيطرة على عوائد السندات طويلة الأجل، وتصاعد أعباء الدين الأمريكي الذي تجاوز حاجز الأربعين تريليون دولار.

أي أن واشنطن لا تحارب على جبهة واحدة.

إنها تحاول إدارة حرب في الخارج، بينما يزداد الضغط المالي في الداخل.

الحرب التي وصلت إلى سوق السندات

قد يبدو للوهلة الأولى أن سوق السندات الأمريكي بعيد تمامًا عن الصراع في الشرق الأوسط.

لكن الاقتصاد العالمي لا يعرف هذه الحدود.

ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة، وارتفاع الطاقة يضغط على التضخم، والتضخم المرتفع يجعل خفض أسعار الفائدة أكثر صعوبة، وارتفاع الفائدة يعني ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي.

وهكذا يمكن لصاروخ يُطلق في الشرق الأوسط أن يجد طريقه في النهاية إلى ميزانية الحكومة الأمريكية.

هذه هي طبيعة الاقتصاد العالمي الجديد.

الجغرافيا السياسية أصبحت جزءًا من السياسة النقدية.

والحرب أصبحت جزءًا من حسابات المستثمرين في السندات.

والنفط أصبح مؤشرًا على اتجاه التضخم.

ولذلك فإن مشكلة بيسنت ليست مجرد محاولة لخفض عوائد السندات، وإنما محاولة لإقناع الأسواق بأن الولايات المتحدة ما زالت قادرة على السيطرة على ماليتها العامة.

وهذا أصعب بكثير.

أربعون تريليون دولار... الرقم الذي يلاحق واشنطن

الدين الأمريكي لم يعد مجرد قضية انتخابية يستخدمها الجمهوريون ضد الديمقراطيين أو العكس.

لقد أصبح عنصرًا أساسيًا في تحديد هامش الحركة أمام الإدارة الأمريكية.

كلما ارتفع الدين، ارتفعت تكلفة خدمته.

وكلما ارتفعت أسعار الفائدة، أصبحت خدمة الدين أكثر تكلفة.

وكلما زادت تكلفة خدمة الدين، احتاجت الحكومة إلى الاقتراض أكثر.

وهنا تظهر الحلقة الخطرة.

دين أكبر... فوائد أعلى... إنفاق أكبر... واقتراض جديد.

وهذا يعني أن الولايات المتحدة تحتاج إلى نمو اقتصادي قوي، وتضخم منخفض، وأسواق مالية مستقرة، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى تمويل الإنفاق العسكري والسياسي.

لكن جمع هذه العناصر كلها في لحظة واحدة ليس أمرًا سهلًا.

ولهذا فإن سوق السندات أصبح بمثابة شاشة تعرض للعالم مدى ثقة المستثمرين في قدرة واشنطن على إدارة أزمتها المالية.

إيران ليست مجرد هدف عسكري

منذ بداية المواجهة، تعاملت واشنطن مع إيران باعتبارها مشكلة عسكرية وأمنية.

لكن تطورات الحرب كشفت أن المسألة أكبر من ذلك.

إيران دولة تقع في قلب واحدة من أهم مناطق الطاقة في العالم، وتملك تأثيرًا مباشرًا أو غير مباشر على أمن الخليج وممرات الطاقة.

وأي اضطراب طويل في المنطقة يمكن أن ينعكس فورًا على أسعار النفط.

وهنا تدخل واشنطن في مأزق.

فهي تريد الضغط على إيران إلى أقصى درجة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد انفلات أسعار النفط.

لأن ارتفاع النفط يعني ارتفاع التضخم.

والتضخم يعني بقاء أسعار الفائدة مرتفعة.

وارتفاع الفائدة يضغط على الاقتصاد الأمريكي وسوق السندات.

أي أن استمرار الحرب قد يمنح واشنطن قوة عسكرية على الأرض، لكنه قد يفرض عليها فاتورة اقتصادية في الداخل.

من القنابل إلى العقوبات

لهذا بدأت واشنطن تتحرك بصورة أكثر وضوحًا نحو استخدام الاقتصاد كسلاح.

العقوبات، تجفيف مصادر العملة، التضييق على صادرات النفط، وملاحقة الدول والشركات التي تساعد إيران اقتصاديًا.

لكن هنا أيضًا توجد مشكلة.

العالم لم يعد كما كان.

فالعقوبات الأمريكية لم تعد تصطدم بإيران وحدها.

إنها تصطدم بشبكة واسعة من المصالح الدولية.

الصين لها مصالحها.

الهند لها حساباتها.

الإمارات لها تجارتها.

ودول أخرى لا تريد أن تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين علاقتها الاقتصادية مع إيران وبين الرغبة الأمريكية في فرض العزلة على طهران.

وهنا يمكن أن تتحول العقوبات من أداة لإضعاف إيران إلى عامل يدفع دولًا أخرى إلى البحث عن بدائل مالية وتجارية.

وهذا أخطر ما يمكن أن تواجهه واشنطن على المدى الطويل.

الدولار في قلب المعركة

القوة الأمريكية لم تكن عسكرية فقط.

الدولار كان ولا يزال أحد أهم مصادر النفوذ الأمريكي.

وعندما تستخدم واشنطن النظام المالي العالمي لفرض العقوبات، فهي تستفيد من مكانة الدولار ومن سيطرة المؤسسات المالية الأمريكية على جزء كبير من حركة الأموال العالمية.

لكن الاستخدام المفرط لهذا السلاح يحمل مخاطرة.

كل دولة تتعرض لعقوبات تبدأ في البحث عن طرق لتقليل تعرضها للنظام المالي الأمريكي.

قد لا يؤدي ذلك إلى انهيار الدولار.

لكن تراكم هذه التحولات على مدى سنوات يمكن أن يؤدي إلى تغيير تدريجي في شكل النظام المالي العالمي.

وهنا لا نتحدث عن سقوط مفاجئ للدولار.

بل عن شيء أكثر هدوءًا وخطورة:

تآكل تدريجي لاحتكار الأدوات المالية الأمريكية.

الصين... اللاعب الذي لا يمكن تجاهله

في هذه المعادلة تظهر الصين.

فبكين ليست مجرد طرف اقتصادي يتلقى القرارات الأمريكية.

إنها قوة اقتصادية كبرى تمتلك أدوات ضغط مضادة.

المعادن الأرضية النادرة، سلاسل التوريد، الصناعة، التجارة، وحجم السوق الصيني كلها أوراق يمكن استخدامها في مواجهة واشنطن.

ولهذا فإن محاولة فرض عقوبات ثانوية واسعة قد تفتح جبهة أخرى لا تريدها الولايات المتحدة.

جبهة أمريكية صينية تتجاوز إيران نفسها.

وهنا يصبح السؤال:

هل تستطيع واشنطن الضغط على إيران دون أن توسع الحرب الاقتصادية لتشمل الصين والهند ودولًا أخرى؟

الأزمة داخل إيران... فرصة أم فخ؟

الضغط الاقتصادي قد يضع القيادة الإيرانية أمام خيارات صعبة.

اقتصاد منهك.

ارتفاع الأسعار.

ضغوط على العملة.

وتكلفة حرب لا يعرف أحد متى تنتهي.

وهذه الظروف يمكن أن تخلق تيارات مختلفة داخل النظام الإيراني بين من يرى أن المواجهة يجب أن تستمر مهما كان الثمن، ومن يرى أن الأولوية يجب أن تكون لإنقاذ الاقتصاد والبحث عن تسوية.

لكن المشكلة أن الضغط الاقتصادي لا يؤدي دائمًا إلى النتيجة التي يريدها الطرف الذي يفرضه.

أحيانًا يؤدي إلى التفاوض.

وأحيانًا يؤدي إلى التشدد.

وأحيانًا يدفع النظام إلى تحويل الأزمة الخارجية إلى وسيلة لتوحيد الداخل.

ولهذا فإن الرهان الأمريكي على انهيار إيران اقتصاديًا ليس رهانًا مضمونًا.

من سينهك أولًا؟

هنا نصل إلى جوهر الصراع.

السؤال لم يعد فقط:

من يملك السلاح الأقوى؟

بل:

من يستطيع تحمل الحرب فترة أطول؟

إيران تملك قدرة على الصمود وعلى استخدام أدوات غير تقليدية في المنطقة.

والولايات المتحدة تملك قوة عسكرية واقتصادية هائلة.

لكن الولايات المتحدة في الوقت نفسه تواجه مشكلة الدين والعجز وأسعار الفائدة.

وإيران تواجه مشكلة الاقتصاد والعقوبات.

كل طرف يملك نقاط قوة، وكل طرف يملك نقطة ضعف.

ولهذا فإن الحرب قد تتحول إلى سباق استنزاف.

بيسنت أمام معادلة مستحيلة

وزير الخزانة الأمريكي يريد تخفيض تكلفة الاقتراض.

لكنه لا يستطيع التحكم وحده في التضخم.

ويريد الضغط على إيران.

لكن الضغط على إيران قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط.

ويريد السيطرة على الدين.

لكن الإنفاق العسكري والسياسي يحتاج إلى أموال.

ويريد الحفاظ على قوة الدولار.

لكن توسيع استخدام العقوبات قد يشجع بعض الدول على البحث عن بدائل.

إنها دائرة مغلقة.

كل قرار في ملف قد يخلق مشكلة في ملف آخر.

وهنا تكمن صعوبة اللحظة الأمريكية.

الحرب الحقيقية أبعد من إيران

ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة أمريكية إيرانية.

إنه اختبار للنظام الدولي نفسه.

اختبار لقوة الدولار.

اختبار لسوق السندات الأمريكية.

اختبار لقدرة واشنطن على تمويل القوة العسكرية.

واختبار لقدرة العقوبات على تحقيق أهداف سياسية.

وفي المقابل هو اختبار لقدرة إيران على الصمود.

واختبار لقدرة الصين وروسيا ودول أخرى على بناء مسارات اقتصادية أقل اعتمادًا على الولايات المتحدة.

ولهذا فإن نتائج الحرب لن تظهر فقط في طهران أو واشنطن.

قد تظهر في بورصات العالم.

وفي أسعار النفط.

وفي حركة الدولار.

وفي سوق السندات.

وفي خريطة التجارة الدولية.

النهاية التي لا يعرفها أحد

ربما تستطيع واشنطن في النهاية دفع إيران إلى اتفاق.

وربما تستطيع طهران الصمود حتى تتغير الحسابات الأمريكية.

وربما تنتهي الحرب بتسوية لا يحصل فيها أي طرف على كل ما يريد.

لكن هناك شيئًا أصبح واضحًا:

الحرب التي بدأت بهدف تغيير معادلة القوة في الشرق الأوسط أصبحت تختبر قدرة الولايات المتحدة نفسها على إدارة قوتها.

فالولايات المتحدة تستطيع أن تنفق مليارات الدولارات على الحرب.

لكن السؤال ليس هل تستطيع دفع تكلفة الحرب اليوم.

السؤال الأصعب هو:

هل تستطيع تحمل تكلفة الحرب إذا استمرت غدًا وبعد غد؟

وهنا يصبح سوق السندات أكثر أهمية من كثير من العناوين العسكرية.

لأن الصاروخ يمكن أن يسقط في لحظة.

أما الدين، فإذا تراكم، فإنه يبقى.

والحرب قد تنتهي بقرار سياسي.

لكن فاتورة الحرب لا تنتهي بالقرار نفسه.

وهنا ربما تكون المعركة التي يخشاها بيسنت أكثر من أي معركة أخرى: أن تتحول الحرب على إيران من أداة للقوة الأمريكية إلى اختبار لقوة الاقتصاد الذي يمول هذه القوة.

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ...،،،!!