كيف قادت جائزة "من سيربح المليون؟" دامبراوسكاس إلى دوري الأبطال؟
يستعد الليتواني فالداس دامبراوسكاس المدير الفني لفريق صباح الأذربيجاني، لعيش واحدة من أكثر اللحظات استثنائية في مسيرته، عندما يقود فريقه أمام مانشستر يونايتد على ملعب أولد ترافورد، ضمن منافسات دوري أبطال أوروبا.
وتقام المواجهة يوم الخميس، إذ تحمل طابعاً خاصاً للغاية بالنسبة للمدرب البالغ من العمر 49 عاماً بعدما يعود إلى الملعب الذي شهد جزءًا مهماَ من بداياته في عالم التدريب قبل نحو 20 عامًا، عندما عمل مع مدارس مانشستر يونايتد لكرة القدم.
ويقول دامبراوسكاس إن مجرد التفكير في عبور النفق المؤدي إلى أرضية أولد ترافورد كمدرب يفوق كل توقعاته، بعدما اعتاد زيارة الملعب سابقًا برفقة الأطفال الذين كان يشرف على تدريبهم.
لم تكن رحلة المدرب الليتواني سهلة، بل بدأت بطريقة غير تقليدية تماماً من خلال مشاركته في النسخة الليتوانية من برنامج المسابقات الشهير "من سيربح المليون؟".
4 آلاف ليتا كانت نقطة البداية
في عام 2002، تمكن دامبراوسكاس من الفوز بمبلغ 4 آلاف ليتا ليتوانية وهو ما كان يعادل وقتها نحو 725 جنيهًا إسترلينيًا، وهو مبلغ يوازي تقريبًا راتب ستة أشهر بالنسبة لمتوسط العامل في ليتوانيا.
قرر المدرب الشاب استثمار أمواله في مستقبله، إذ انتقل إلى لندن وهو في الخامسة والعشرين من عمره، حاملًا تأشيرة طالب، رغم أن إجادته للغة الإنجليزية كانت محدودة.
وكان هدفه واضحًا منذ البداية وهو الحصول على دورات تدريبية تؤهله للعمل في كرة القدم، ثم العودة يومًا إلى ليتوانيا وبدء مسيرته كمدرب.
سنوات من العمل الشاق في إنجلترا
وصل دامبراوسكاس إلى لندن في أغسطس 2002، ومنذ ذلك الوقت بدأ رحلة استمرت ثماني سنوات من العمل المتواصل، جمع خلالها بين التدريب والعديد من الوظائف الأخرى من أجل تأمين حياة أسرته ورعاية طفليه.
وفي عام 2004، التحق بجامعة لندن متروبوليتان لدراسة علوم الرياضة والتدريب.
وبدأ بعدها العمل بشكل تطوعي مع مشروع "Access to Sports" في منطقة فينسبري بارك، والذي كان يهتم بالأطفال في المناطق المحرومة.
ثم انتقل إلى مؤسسة "London Tigers"، وبدأ هناك متطوعًا قبل أن يتدرج في المناصب خلال خمس سنوات، وصولًا إلى قيادة الفريق الأول في مسابقات كرة القدم شبه المحترفة.
كما أصبح أول مدرب ليتواني يحصل على رخصة تدريب من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "UEFA" من خلال اتحاد كرة القدم في لندن.
وكان دامبراوسكاس حريصًا على حضور كل دورة ومؤتمر واجتماع تدريبي يمكن أن يضيف إلى خبراته، مؤكدًا أن استغلال كل فرصة تعليمية ساعده على بناء مستقبله.
مانشستر يونايتد يفتح له الباب
جاءت نقطة التحول عندما حصل دامبراوسكاس على فرصة للعمل مع مدارس مانشستر يونايتد لكرة القدم عام 2004.
وقضى هناك خمس سنوات في تدريب اللاعبين خلال المعسكرات والإقامات التدريبية في إنجلترا ومختلف أنحاء أوروبا، وهي التجربة التي وصفها بأنها من أفضل ما حدث في حياته.
وبعد ذلك خاض فترة قصيرة مع فولهام، قبل الانتقال إلى برينتفورد، إذ كان مدير الأكاديمية أوسي أيبانجي من أبرز الشخصيات المؤثرة في تطور مسيرته.
ورغم تقدمه في المجال التدريبي، اضطر دامبراوسكاس في تلك الفترة إلى العمل في وظائف عديدة بالتوازي مع التدريب.
وقال عن تلك المرحلة إنه عمل بستانيًا وعامل صيانة، وقام بتوصيل الصحف، كما عمل في تلميع أرضيات إحدى الحانات، إلى جانب وظائف في قطاع البيع بالتجزئة وتطوير الرياضة وجمعية الشبان المسيحيين.
وأضاف أنه كان يعمل في وظيفتين أو ثلاث، وأحيانًا أربع وظائف في الوقت نفسه.
بداية رحلة البطولات
في نهاية عام 2010، جاءت فرصة العمل بالتدريب بدوام كامل، ليقرر دامبراوسكاس مغادرة إنجلترا والعودة إلى ليتوانيا، حيث تولى منصب مساعد مدرب الفريق الأول ومدرب الفريق الرديف في نادي إيكراناس.
وبعد أربع سنوات، أصبح المدير الفني لزالغيريس فيلنيوس، أحد أكبر الأندية في ليتوانيا، وبدأ هناك في حصد البطولات.
وخلال ثلاثة مواسم فقط، قاد الفريق للفوز بلقبين للدوري، وثلاثة ألقاب لكأس ليتوانيا، ولقبين لكأس السوبر، من بينها تحقيق الثلاثية المحلية عام 2016.
ثم بدأت رحلة جديدة اتسمت بكثرة التنقل بين الأندية، إذ تولى تدريب ثمانية فرق خلال تسع سنوات في سبع دول.
وقاد آر إف إس للفوز بكأس لاتفيا، ثم تولى تدريب غوريكا الكرواتي، قبل أن يحقق لقب الدوري البلغاري مع لودوغوريتس رازغراد، إضافة إلى كأس السوبر والتأهل إلى الدوري الأوروبي.
وعاد إلى كرواتيا لتدريب هايدوك سبليت، وقاده إلى كأس كرواتيا، ليحقق النادي أول بطولة له منذ 10 سنوات.
بعد ذلك خاض تجارب مع أوفي كريت اليوناني، وأومونيا القبرصي، وديوشغيوري المجري.
صباح المحطة التي صنعت التاريخ
في صيف 2025، وصل دامبراوسكاس إلى صباح الأذربيجاني الذي أصبح النادي العاشر في مسيرته التدريبية.
ولم يحتج المدرب إلى وقت طويل لترك بصمته، إذ قاد الفريق في موسمه الأول إلى تحقيق الثنائية المحلية والتتويج بلقب الدوري للمرة الأولى في تاريخ النادي.
وبهذا ارتفع رصيد دامبراوسكاس إلى 13 بطولة حققها في خمس دول مختلفة.
لكن الإنجاز الأكبر جاء بعد ذلك، عندما نجح في قيادة صباح إلى دوري أبطال أوروبا عقب خوض أربع مواجهات إقصائية في التصفيات.
وأصبح صباح الفريق الوحيد الذي بدأ مشواره من الدور التمهيدي الأول ونجح في الوصول إلى البطولة، بعدما تجاوز ذا نيو سينتس الويلزي، وكووبس الفنلندي، وآرهوس الدنماركي، وهبوعيل بئر السبع الإسرائيلي.
وكان التأهل الأخير دراميًا، بعدما كان الفريق قريبًا من الخروج قبل أن يسجل تيلور موتاليموف هدفًا في الدقيقة الرابعة من الوقت بدل الضائع، ليمنح صباح فرصة العودة إلى المباراة.
وفي الوقت الإضافي، حسم الفريق المواجهة بالفوز 5-2، ليبلغ دوري الأبطال بنتيجة 6-4 في مجموع المباراتين.
مواجهة مانشستر يونايتد وبرشلونة ودورتموند
يستعد صباح لخوض تجربة تاريخية في دوري أبطال أوروبا، إذ يواجه على أرضه كلًا من بوروسيا دورتموند وبرشلونة ونابولي، فيما يخرج لمواجهة فياريال، إلى جانب زيارتي مانشستر يونايتد وأرسنال.
ويقع النادي في بلدة ماسازير، على بعد نحو 30 ميلًا شمال العاصمة الأذربيجانية باكو، ويبلغ عدد سكانها قرابة 19 ألف نسمة.
وتأسس صباح عام 2017، ويُعرف بلقب "البوم"، وسيحتفل بمرور تسع سنوات على تأسيسه يوم الثلاثاء.
ولا يستوفي ملعبه "Bank Respublika Arena"، الذي تقل سعته عن 9 آلاف متفرج، متطلبات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، ولذلك يخوض الفريق مبارياته القارية في الملعب الأولمبي بالعاصمة باكو.
ويؤمن دامبراوسكاس بأن فريقه قادر على التعامل مع التحدي، مشددًا على امتلاكه مجموعة من اللاعبين الطموحين والمتعطشين لإثبات أنفسهم أمام كبار أوروبا.
كما أشاد رئيس النادي مقصود أديغوزالوف بالمدرب، مؤكدًا أن تأثيره لا يقتصر على الجوانب التكتيكية، وإنما امتد إلى بناء عقلية الفوز وروح القتال داخل الفريق.
حلم عمره 20 عامًا يتحقق
قبل عقدين من الزمن، كان دامبراوسكاس يقف في أولد ترافورد خلال إحدى مقابلات العمل وينظر إلى أرضية الملعب متخيلًا إمكانية أن يعود يومًا إلى المكان نفسه كمدرب وبعد 20 عاماً، أصبح الحلم حقيقة.
ويستعيد المدرب ذكريات الفترة التي عاشها في إنجلترا، عندما كانت المنافسة بين مانشستر يونايتد وأرسنال في أوجها تحت قيادة السير أليكس فيرجسون وأرسين فينجر.
والآن، سيعود دامبراوسكاس إلى إنجلترا، لكن هذه المرة من بوابة دوري أبطال أوروبا، ليعبر النفق نفسه الذي عرفه قبل سنوات، ويجلس على مقاعد المدربين في أولد ترافورد.
وقال دامبراوسكاس: "العودة كمدرب في دوري أبطال أوروبا وسماع نشيد البطولة أمر مذهل حقًا".