﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾
كيف تدير مستقبلك المهني في عصر الذكاء الاصطناعي؟
قال الله تعالى:
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾
سورة النجم – الآية 39
قد يعمل الإنسان لسنوات طويلة، يذهب إلى عمله كل يوم، ينفذ المطلوب منه، ويحصل على راتبه في نهاية الشهر.
لكن بعد عشر سنوات قد يكتشف أنه لم يتقدم كثيرًا.
نفس المهارات.
نفس طريقة العمل.
نفس نوع المسؤوليات.
وهنا يظهر ما يسمى أحيانًا:
Career Sleepwalking
أي أن يمشي الإنسان في حياته المهنية وكأنه شبه نائم.
هو يعمل، وربما يعمل كثيرًا، لكنه لا يسأل نفسه:
إلى أين يأخذني هذا العمل؟
وهناك فرق كبير بين أن تكون مشغولًا وأن تكون متقدمًا.
خمس سنوات عمل أم خمس سنوات تطور؟
تخيل شابين تخرجا في العام نفسه.
الأول حصل على وظيفة، وركز فقط على تنفيذ المطلوب منه.
أما الثاني فكان يعمل أيضًا، لكنه يسأل نفسه كل فترة:
ماذا تعلمت؟
ما المهارة الجديدة التي أحتاج إليها؟
كيف يتغير السوق؟
ومن الشخص الذي يمكن أن أتعلم منه؟
بعد خمس سنوات، كلاهما لديه خمس سنوات خبرة.
لكن ربما الأول لديه فقط خمس سنوات عمل.
أما الثاني فلديه خمس سنوات من التعلم والتطور.
وهنا يبدأ الفرق.
ليس المهم عدد سنوات الخبرة
كثيرون يقولون:
«لدي عشر سنوات خبرة».
لكن هناك فرق بين شخص لديه عشر سنوات خبرة حقيقية، وشخص لديه سنة واحدة من الخبرة كررها عشر مرات.
الخبرة الحقيقية تعني أنك تعلمت، وجربت، وتحملت مسؤوليات أكبر، واستخدمت أدوات جديدة، وتعاملت مع مشكلات وقرارات وأشخاص مختلفين.
عدد السنوات وحده لا يكفي.
السؤال الأهم:
ماذا أضافت لك هذه السنوات؟
لماذا أصبح الأمر أهم الآن؟
لأن سوق العمل يتغير بسرعة شديدة.
الذكاء الاصطناعي يدخل اليوم في الطب والهندسة والمحاسبة والإعلام والتسويق والتعليم والإدارة وغيرها.
وهذا يعني أن كثيرًا من الوظائف لن تختفي بالضرورة، ولكن طريقة العمل داخلها ستتغير.
لذلك السؤال ليس:
هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟
الأفضل أن تسأل:
كيف أستخدم الذكاء الاصطناعي لكي أصبح أفضل في عملي؟
الطبيب لا يحتاج إلى أن يصبح مبرمجًا.
والمهندس لا يحتاج إلى ترك الهندسة.
والمحاسب لا يحتاج إلى التخلي عن المحاسبة.
لكن كل واحد منهم يحتاج إلى معرفة كيف يستخدم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي داخل تخصصه.
لذلك:
لا تترك تخصصك من أجل الذكاء الاصطناعي، بل أضف الذكاء الاصطناعي إلى تخصصك.
لا تنتظر شركتك لتبني مستقبلك
قد تعمل في شركة ممتازة.
وقد يكون لديك مدير جيد.
لكن لا تجعل مستقبلك المهني معتمدًا بالكامل على الشركة.
الشركة تدير احتياجاتها.
وأنت يجب أن تدير مستقبلك.
اسأل نفسك باستمرار:
ماذا أريد؟
ما الذي ينقصني؟
ما الذي يجب أن أتعلمه؟
وما الخطوة التالية؟
بمعنى بسيط:
كن مسؤولًا عن مستقبلك المهني.
لا تجمع شهادات فقط
يمكن اليوم لأي شخص أن يحصل على عشرات الدورات والشهادات.
لكن الشهادة وحدها لا تصنع قيمة.
قد تجد شخصًا لديه عشر شهادات في الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يستطيع تنفيذ مشروع حقيقي.
وشخصًا آخر لديه شهادات أقل، لكنه استطاع تنفيذ مشروعات وتحقيق نتائج.
السؤال الأهم ليس:
ماذا درست؟
بل:
ماذا تستطيع أن تفعل؟
وفي عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت المعلومة متاحة بسهولة.
لكن القدرة على تحويل المعلومة إلى قرار أو مشروع أو نتيجة أصبحت أهم.
اعتبر نفسك شركة
اعتبر أن لديك رأس مال مهنيًا يجب أن يزيد كل عام.
وهذا الرأس مال يتكون من:
معرفتك.
مهاراتك.
إنجازاتك.
علاقاتك.
سمعتك.
وقدرتك على اتخاذ القرار.
اسأل نفسك كل عام:
ماذا تعلمت؟
ما الذي أصبحت أجيده أكثر؟
ما الإنجاز الذي حققته؟
من أصبح يعرفني ويثق بعملي؟
وهل أصبحت قيمتي في السوق أكبر؟
العلاقات ليست واسطة
بناء العلاقات المهنية لا يعني الواسطة.
الواسطة أن يضعك شخص في مكان لا تستحقه.
أما العلاقات المهنية فهي أن يعرف الآخرون أنك شخص جيد في عملك، وعندما تظهر فرصة مناسبة يتذكرونك.
هذه تسمى:
السمعة المهنية.
وهي من أهم الأشياء التي يبنيها الإنسان خلال حياته.
في بداية حياتك… لا تنظر إلى الراتب فقط
إذا كنت في بداية حياتك المهنية، فلا تسأل فقط:
كم سأحصل في نهاية الشهر؟
اسأل أيضًا:
كم سأتعلم؟
من سأعمل معه؟
ما نوع المشروعات التي سأشارك فيها؟
وماذا ستكون قيمتي بعد ثلاث سنوات؟
أحيانًا تكون وظيفة براتب أقل، لكنها تعلمك أكثر، أفضل لمستقبلك من وظيفة براتب أعلى لا تضيف لك شيئًا.
راجع نفسك كل 90 يومًا
مرة كل ثلاثة أشهر، اجلس مع نفسك واسأل:
ماذا تعلمت؟
ما الذي أنجزته؟
ما المهارة التي تطورت فيها؟
ما الذي تغير في مجالي؟
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدني؟
وما الخطوات الثلاث التي سأفعلها خلال الأشهر القادمة؟
ساعة واحدة كل ثلاثة أشهر يمكن أن تمنعك من أن تكتشف بعد عشر سنوات أنك كنت تسير في الطريق الخطأ.
وأخيرًا
نعود إلى قوله تعالى:
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾
السعي لا يعني فقط أن تعمل كثيرًا.
فقد يعمل الإنسان كثيرًا في الاتجاه الخطأ.
السعي الحقيقي يحتاج إلى:
وعي.
تعلم.
تطوير.
ومراجعة مستمرة للطريق.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لن يكون الخطر فقط أن تتغير الوظائف.
الخطر الأكبر أن يتغير العالم من حولك بينما أنت ما زلت تعمل بالطريقة نفسها.
لذلك لا تسأل نفسك فقط:
هل أنا أعمل بجد؟
بل اسأل:
هل ما أفعله اليوم يجعلني أفضل غدًا؟
فالذكاء الاصطناعي قد يغير شكل العمل، لكنه لا يلغي قيمة الإنسان الذي يتعلم ويتطور.
لا تجعل هدفك أن تكون مشغولًا… اجعل هدفك أن تكون متقدمًا.