صفوت دسوقي يكتب:«وعود نائب البرلمان».. «فنكوش» عادل إمام في كوم أشفين
كان المشهد قبل الانتخابات مختلفا تماما، فالحضور كان لافتا، واللقاءات كثيرة، والحديث عن مشكلات الناس لا يتوقف، بينما كانت كاميرات الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي تنقل تلك اللقاءات إلى الأهالي، ليظهر أحد النواب الذين يمثلون الدائرة الرابعة بمحافظة القليوبية، التي تضم قليوب والقناطر الخيرية، قريبا من الناس، يستمع إلى مطالبهم ويتحدث عن ملفات تمس حياتهم اليومية.
وفي كوم أشفين، كانت المطالب واضحة والوعود أكثر وضوحا، بداية من تطوير المعهد الديني، مرورا بالحديث عن إنشاء مستشفى، وصولا إلى العمل على توصيل الغاز الطبيعي إلى الأهالي. لم يكن الناس يبحثون عن أحلام بعيدة، وإنما عن خدمات يحتاجون إليها في حياتهم اليومية، وعن نائب يحمل مطالبهم إلى الجهات المعنية ويتابعها حتى ترى النور.
انتهت الانتخابات واستقر المقعد البرلماني، لكن بحسب ما يقوله عدد من أهالي كوم أشفين، بقيت الوعود في مكانها، ورغم مرور فترة طويلة على الانتخابات، لم ير الأهالي نتائج ملموسة لما سمعوه خلال الفترة الانتخابية، بل إن الوصول إلى النائب نفسه أصبح، وفقا لرواياتهم، أكثر صعوبة مما كان عليه قبل الانتخابات، حين كانت الأبواب مفتوحة واللقاءات متاحة والكاميرات حاضرة.
في ملف المعهد الديني، يتحدث الأهالي عن حصولهم على تأشيرة للفحص والدراسة، لكن التطوير الذي انتظروه لم يتحول حتى الآن إلى واقع واضح. وقد تكون التأشيرة خطوة في طريق طويل، وقد تحتاج الإجراءات إلى وقت وموافقات، لكن ما يريده المواطن هو معرفة ما الذي حدث بعد هذه الخطوة وإلى أين وصل الملف، لأن الفحص ليس تطويرا، والدراسة ليست تنفيذا، والحديث عن المشروع لا يغني عن رؤيته واقعا أمام الناس.
أما المستشفى، فالوعد بها يرتبط باحتياج أساسي لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد ملف خدمي عابر. المواطن الذي يحتاج إلى العلاج لا يعنيه كثيرا عدد التصريحات أو الفيديوهات التي تحدثت عن المشروع، وإنما يريد أن يجد خدمة صحية قريبة عندما يحتاج إليها. وبحسب ما يقوله الأهالي، فإن المستشفى التي تحدثوا عنها لم تظهر حتى الآن على أرض الواقع، وهو ما يجعل السؤال عن مصير هذا الوعد أمرا طبيعيا ومشروعا.
والغاز الطبيعي كان أيضا ضمن الملفات التي ارتبطت بالوعود الانتخابية، لكن المواطن لا يقيس المشروعات بعدد مرات الحديث عنها، وإنما بما يصل فعليا إلى منزله. هل تحرك الملف؟ هل بدأت الإجراءات؟ هل توجد خطوات حقيقية نحو التنفيذ؟ أسئلة بسيطة، لكنها تظل بحاجة إلى إجابات واضحة تصل إلى أصحابها.
وقبل الانتخابات، كانت مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة فعالة لصناعة الحضور والوصول إلى الناس. الفيديوهات والجولات واللقاءات تستطيع أن تمنح المرشح مساحة واسعة أمام الجمهور، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحول الوعد إلى إنجاز. فالكاميرا تستطيع أن توثق الحديث عن مستشفى، لكنها لا تبنيها، والمنشور يستطيع أن يعلن عن تطوير معهد، لكنه لا يطوره، والمشاهدات مهما ارتفعت لا تستطيع أن توصل الغاز إلى منزل.
ومن هنا تأتي المفارقة التي تعيد إلى الذاكرة «الفنكوش» الشهير في فيلم عادل إمام، ذلك الشيء الذي تحدث عنه الجميع دون أن يراه أحد. في السينما كانت الفكرة سببا للضحك، أما في الواقع فلا أحد يريد «فنكوشا» جديدا، لأن أهالي كوم أشفين لا يبحثون عن وعد يظل حاضرا في فيديو قديم، وإنما يريدون معهدا أفضل، ومستشفى حقيقية، وغازا يصل إلى بيوتهم، ويريدون قبل ذلك كله أن يجدوا النائب الذي تحدث إليهم عندما كان يحتاج إلى أصواتهم.
ولا يفترض أن تكون المطالبة بهذه الملفات اتهاما لأحد، فالناس تعرف أن النائب ليس الجهة الوحيدة التي تملك قرار تنفيذ المشروعات، وأن كثيرا من الملفات تحتاج إلى إجراءات وموافقات ودراسات، وقد يستغرق تنفيذها وقتا. لكن ما يطلبه الأهالي في النهاية هو الوضوح؛ فإذا تأخر مشروع، يريدون معرفة السبب، وإذا تعطل يريدون معرفة أين توقف، وإذا تحرك يريدون معرفة إلى أين وصل.
أما أن تظل الوعود حاضرة في ذاكرة الناخب، بينما يصبح الوصول إلى صاحبها أكثر صعوبة، فهنا تتحول المسألة من مجرد تأخير في تنفيذ مشروع إلى سؤال عن الثقة. فالانتخابات تنتهي بإعلان النتيجة، لكن علاقة النائب بالناس لا تنتهي عند صندوق الاقتراع، ومن حصل على ثقة الناخبين عليه أن يبقى قريبا منهم، يسمعهم بعد الانتخابات كما سمعهم قبلها، ويتابع ما وعد به، ويشرح لهم ما تحقق وما تعطل وما ينتظر.
ورغم مرور فترة طويلة على الانتخابات، لا تزال الأسئلة التي يرددها الأهالي تبحث عن إجابة: أين وصل تطوير المعهد الديني؟ وماذا حدث لوعد إنشاء المستشفى؟ وإلى أين وصل ملف الغاز؟ والأهم، لماذا أصبح الوصول إلى النائب الذي كان حاضرا بقوة قبل الانتخابات أمرا أكثر صعوبة الآن؟
في النهاية، لا يريد أهالي كوم أشفين معجزة، ولا يبحثون عن وعود جديدة، وإنما يريدون أن يروا ما سمعوه يوما يتحول إلى واقع. فالفنكوش قد يصنع ضحكة في السينما، لكن الناس في الحقيقة لا تريد أن تضحك على وعودها.. بل تريد أن ترى منها ما يستحق التصفيق.