د. حسام الغايش مدير فرع «أصول» للوساطة فى الأوراق المالية بالإسكندرية:
حوافز القيد بالبورصة.. سلاح تخفيف صدمات رفع أسعار الفائدة
5% مستهدف الحصة السوقية فى عام 2027
الإنجازات لا تأتى كما تشتهى أو فى الوقت الذى ننتظره؛ فمشوارك مزيج من الصعود والتعثر، ومن لحظات القوة والانكسار.. فى رحلتك، تظل الحكمة والرضا من أعظم الداعمين لكل نجاح؛ فالحكمة تمنح الإنسان القدرة على أن يرى ما وراء اللحظة، وأن يزن خطواته بعقلٍ هادئ، فيتعلم من عثراته دون أن ينكسر بها.. أما الرضا يجعلك قادرًا على مواصلة الطريق دون أن يلتهمه القلق، أو يستنزفه الشعور بما ينقصه؛ فيسعى إلى الأفضل، لكنه لا يفقد تقديره لما بين يديه.. وكذلك محدثى أكثر اتزانًا أمام التقلبات، فلا تغرّه لحظة نجاح عابرة، ولا تهزمه كبوة مؤقتة.
استفِدْ من تجاربك دون أن تصبح أسيرا لها، اعلم أن كل عثرة تضيف إلى التجربة، وكل سقوط يمنح الإنسان قدرة جديدة على النهوض، وعلى هذا كانت مسيرته منذ الصبا.
الدكتور حسام الغايش مدير فرع أصول للوساطة فى الأوراق المالية بالإسكندرية.. بين العلم والتجربة تشكلت ملامح مسيرته، كل محطة لم تكن مجرد خطوة فى طريق طويل، وإنما درسًا أضاف إلى أدواته، حكمته منحته ميزة، لم تتوفر للكثير.
منطقة «الرمل» بالإسكندرية لم تكن فى بداياتها سوى امتدادٍ رملى يشبه الصحراء، كثبان تتعانق، وأرض تخلو من ملامح العمران، قبل أن تبدأ الحياة فى شق طريقها إليها، وهكذا أصبحت منطقة الرمل أثرًا حيًا لا يكتفى بأن يسكن الجغرافيا، وإنما يحتفظ فى تفاصيله بذاكرة المكان. ويكمل المشهد شارع «حسين كامل»، الذى يخلد أحد أفراد أسرة محمد على، قبل أن تتصدر الصورة مبنى شامخ، تبدو جدرانه وكأنها تحفظ فى صمته حكايات حقبة كاملة، فيما يكشف طرازه المعمارى الفريد عن زمنٍ كانت فيه العمارة لغةً أخرى لسرد التاريخ.
فى الطابق الأول، وبالقرب من المدخل الرئيسى، يفرض الهدوء حضوره على المكان؛ كل شخص غارق فى مهمته، أربع غرف تتوزع بينها الإدارات، لكن تظل هناك غرفة مختلفة عن سواها؛ غرفة لا تبدو مجرد مساحة للعمل، وإنما نقطة انطلاق للأفكار والسياسات والقرارات.
من هنا تُرسم ملامح العمل اليومى، وتُناقش القرارات الاستثمارية، وتُصاغ التوصيات التى تمس مصالح العملاء. تصميم أكثر أناقة، وديكور يحمل قدرًا من الخصوصية، تتوسطه لوحة جدارية برسومات نادرة، تضيف إلى المكان شخصية لا تخطئها العين.
فى أحد الأركان، تأتى المكتبة كقطعة أخرى من المشهد؛ تضم كتبًا نادرة، وملفات مرتبطة بالمجال والعمل الأكاديمى، وكأنها تختصر سنوات طويلة من البحث والمعرفة. وفى الجهة المقابلة، منضدة دائرية للاجتماعات اليومية، يتوسطها مكتب فوق سطحه أجندتان؛ إحداهما ترسم استراتيجية العمل وخطط الإدارات، والأخرى تحمل حكاية مختلفة، حكاية سنوات من التجارب، والعقبات، والتعلم.
قصة لم تُكتب على عجل، ولم تأتِ ثمارها من طريق ممهد؛ وإنما صاغتها التجارب، ونضجتها الصعوبات، حتى أصبحت المعرفة فيها ليست مجرد معلومات، وإنما خبرة تتكئ على الواقع. وعلى غلافها عنوان واحد: الرضا والقناعة، دون أن يعنى ذلك التوقف عن السعى.
يتحدث بالأرقام، ويقرأ المشهد من خلال الأدلة، ولا يعرف طريقًا للمجاملة حين يتعلق الأمر بالصالح العام. موضوعية تحكم كلماته، ونقده لا يأتى بحثًا عن الانتقاد، وإنما رغبة فى الإصلاح وتصحيح المسار، رؤية عميقة لا تتشكل إلا عبر سنوات من الخبرة، يرى أن الاقتصاد الوطنى كان قد بدأ بالفعل التحرك فى الاتجاه الصحيح، قبل أن تفرض المتغيرات الخارجية نفسها، فتبطئ من سرعة هذا المسار وتلقى بظلالها على المشهد الاقتصادى.
رغم ذلك، بحسب تحليله يرى أن الحكومة نجحت فى استهداف أحد أكثر الملفات حساسية، وهو التضخم، عبر العمل على استقرار سعر الصرف، وإعادة النظر فى فاتورة الاستيراد، خاصة أن حركة الواردات وانعكاساتها على تكلفة السلع والمنتجات تمثل أحد العوامل المؤثرة بقوة فى مستويات الأسعار.
وفى المقابل، يرى أن تعزيز الإيرادات يظل ضرورة لا غنى عنها، سواء عبر دعم تحويلات المصريين العاملين بالخارج، باعتبارها أحد الموارد الرئيسية الداعمة للاقتصاد، أو من خلال تعظيم موارد الدولة الأخرى، خاصة فى ظل التراجع الذى شهدته إيرادات قناة السويس.
المعادلة، فى نظره، لا تكتمل بمجرد إدارة الأزمات؛ فالاقتصاد القوى يحتاج إلى قاعدة إنتاجية أكثر اتساعًا، وإلى صادرات قادرة على المنافسة، بما يعنى أن زيادة الإنتاج وتعزيز الصادرات يجب أن تظل فى صدارة الأولويات.
يستطرد قائلا إن الأزمة الأخيرة الخاصة بالبترول، لم تكن بسبب ندرة البترول، ولكن بسبب الاضطرابات السياسية، وأثرها على سلاسل الإمداد، ورغم ذلك استطاعت الحكومة فى توفير المصدر، بالتعاقد على البترول الليبى، إلا أن المخاوف المتصاعدة بين الجميع، من استمرار الأزمة العسكرية فى المنطقة.
< كيف ترى المشهد فى ظل التحديات الداخلية التى تواجه الاقتصاد؟
- بثقةٍ لا تخلو من قراءة متأنية للمشهد، يجيبنى قائلًا: «إن أحد أبرز مصادر القلق فى المرحلة الراهنة يتمثل فى استمرار ارتفاع معدلات التضخم، وما قد يترتب عليه من ضغوط على حركة رؤوس الأموال، خاصة الأموال الساخنة، التى قد تتجه إلى التخارج من السوق المحلية بحثًا عن عوائد أكثر جاذبية فى أسواق أخرى».
ويضيف أن «مثل هذا السيناريو قد يضع البنك المركزى أمام معادلة شديدة الحساسية؛ إذ قد يجد نفسه مضطرًا إلى اللجوء لرفع أسعار الفائدة للحفاظ على جاذبية السوق المحلية والحد من مخاطر خروج هذه الأموال، إلا أن هذا الخيار، وإن كان قد يحقق هدفًا نقديًا فى الأجل القصير، فإنه يحمل فى المقابل تكلفة اقتصادية لا يمكن تجاهلها».
ارتفاع أسعار الفائدة يعنى زيادة أعباء خدمة الدين، وارتفاع تكلفة التمويل، وفقا لقوله، وهو ما قد ينعكس على قدرة القطاع الخاص على التوسع وإطلاق مشروعات استثمارية جديدة، فى وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى مزيد من الاستثمارات والإنتاج والتشغيل، ومن هنا تأتى أهمية الحوافز الضريبية التى جرى إقرارها، والتى يمكن أن تمثل إحدى الأدوات الداعمة لتعميق سوق المال وتشجيع الشركات على القيد والطرح فى البورصة، بما يفتح أمامها قنوات تمويل بديلة، ويخفف نسبيًا من اعتمادها على التمويل المصرفى مرتفع التكلفة.
عقل يزن الأمور بميزان التجربة؛ يعرف متى يتراجع خطوة، ومتى يمضى إلى الأمام، ومتى تكون المواجهة ضرورة لا تحتمل التأجيل. وبالفلسفة ذاتها، يقرأ معدلات التضخم، واضعًا فى حساباته تأثير استمرار الاضطرابات السياسية والعسكرية فى المنطقة، وما تفرضه من ضغوط إضافية على الأسعار وسلاسل الإمداد وتكلفة الواردات.
ولا يقف المشهد عند حدود التضخم، فهناك ملف آخر أكثر ثقلًا يفرض نفسه على طاولة الاقتصاد، بحسب تحليله، يتمثل فى ارتفاع مستويات الدين الداخلى والخارجى، وهى أرقام تثير القلق، خصوصًا مع ارتفاع نسبتها إلى الناتج المحلى الإجمالى، بما يضع مزيدًا من الضغوط على الموازنة العامة، ويجعل إدارة الموارد وتوجيهها نحو الاستثمار والإنتاج تحديًا لا يحتمل التأجيل.
ومن هنا، يرى أن الخروج من هذه الدائرة لا يكون بالمسكنات، وإنما عبر تغيير هيكل الاقتصاد نفسه؛ بالتوسع فى المشروعات الصناعية والزراعية، وزيادة الطاقة الإنتاجية، وخلق قاعدة أكثر اتساعًا للإنتاج المحلى، فكل منتج يُصنع فى الداخل هو خطوة لتقليص فاتورة الاستيراد، وكل توسع فى الإنتاج هو مساحة جديدة لتخفيف الضغط على العملة الأجنبية، وكل زيادة فى الصادرات تمثل موردًا إضافيًا يدعم قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات.
«الناجح يدرك أن الثقة وقود الأهداف».. ربما تختصر هذه العبارة جانبًا كبيرًا من فلسفته فى قراءة المشهد الاقتصادي؛ فنجاح أى سياسة لا يُقاس فقط بما تحققه من أرقام، وإنما بقدرتها على بناء الثقة، وامتصاص الصدمات، وإعادة الطمأنينة إلى الأسواق.. وبهذه الرؤية، يتحدث عن السياسة النقدية، وما أظهرته من قدرة على التعامل مع الأزمات المتتالية، والحد من تداعياتها على الاقتصاد، وصولًا إلى استعادة قدر من الاستقرار فى سوق الصرف، والحد من ظاهرة «الدولرة» التى تمثل أحد أبرز التحديات أمام استقرار العملة المحلية.
لا يغفل الدور الذى لعبته السياسة المالية، خاصة مع تبنيها فلسفة تقوم على التحفيز، بدلًا من الاكتفاء بإدارة الأعباء القائمة؛ فتحريك عجلة الاستثمار، والتوسع فى المشروعات الزراعية والصناعية، وزيادة الإنتاج، كلها أدوات تستهدف بناء اقتصاد أكثر قدرة على الاعتماد على ذاته، فحين تتسع قاعدة الإنتاج المحلى، يصبح الاقتصاد أكثر قدرة على تلبية احتياجات السوق، وأقل اعتمادًا على الخارج، بينما تتحول الزيادة فى الإنتاج من مجرد أرقام فى الحسابات الاقتصادية إلى درعٍ فى مواجهة أزمات الاستيراد والعملات الأجنبية وتقلبات الأسواق العالمية.
< كيف تقيّم الاستثمار الأجنبى المباشر؟
- يتوقف للحظات، ويبدو أن السؤال يستدعى أمامه حصيلة طويلة من التجارب والملاحظات. يتركز نظره قبل أن تأتى الإجابة محسوبة، يقول: «إن القرار الاستثمارى تحكمه مجموعة واسعة من العوامل، يأتى فى مقدمتها معدل نمو القطاع الخاص، الذى لا تزال معدلاته دون المستوى المأمول، فى ظل استمرار الحضور القوى للقطاع الحكومى فى النشاط الاقتصادى».
ولا تتوقف التحديات عند هذا الحد، إذ يشير إلى أن المستثمر يواجه بدوره عقبات مرتبطة بتخصيص الأراضى، وهى مسألة تمثل عنصرًا حاسمًا فى حسابات الاستثمار، خاصة بالنسبة للمشروعات التى تحتاج إلى مساحات كبيرة وإجراءات واضحة وسريعة حتى تبدأ دورة الإنتاج.
الاستثمار الأجنبى، فى رأيه، لا يمكن فصله عن قوة الاستثمار المحلى؛ فالمستثمر الخارجى يبحث قبل أن يضع أمواله عن سوق يرى فيه القطاع الخاص يتحرك بحرية، والتمويل متاحًا، والفرص واضحة.
ومن هنا ينتقل إلى الاستثمار المحلى، مستندًا إلى سنوات من الخبرة والتجربة، ليؤكد أن دفع القطاع الخاص إلى التوسع يحتاج إلى حزمة متكاملة من الحوافز، تبدأ بخفض أسعار الفائدة، بما يخفف تكلفة التمويل ويفتح الباب أمام إقامة مشروعات جديدة والتوسع فى المشروعات القائمة.
ويضيف أن «الأمر لا يتعلق بأسعار الفائدة وحدها، وإنما بضرورة خلق بدائل تمويلية متعددة وحوافز أكثر تنوعًا، تسمح للمستثمر باختيار الأداة الأنسب لاحتياجاته، وتمنح الشركات قدرة أكبر على النمو دون أن تتحول تكلفة التمويل إلى عائق أمام الاستثمار».
«تمسّك بالأمل، وآمن بقدراتك، وأصرّ على أن تصنع الفارق».. بهذه الروح يتحدث عن وحدة الشركات المملوكة للدولة، واضعًا أمامها هدفًا يتجاوز مجرد إعادة ترتيب الأصول، إلى بناء منظومة أكثر كفاءة ووضوحا فى إدارة الشركات وتهيئتها للطرح.
ويرى أن توحيد الإطار القانونى يمثل خطوة ضرورية لتجاوز العقبات التى تواجه بعض الشركات، خاصة تلك التى تأسست وفق قوانين وتشريعات متعددة، وهو ما قد يفرض تعقيدات إضافية عند إعدادها وإعادة هيكلتها وتجهيزها للطرح فى البورصة.
فكلما تعددت القوانين التى تحكم الشركات، ازدادت صعوبة التعامل معها، وطالت رحلة التجهيز، بينما يحتاج سوق المال إلى شركات جاهزة، وهياكل واضحة، وقواعد مستقرة تسمح بانتقال أكثر سلاسة من الملكية الحكومية إلى السوق.
< كيف ترى المنتجات الجديدة فى البورصة.. وهل تحقق قيمة مضافة للمتعاملين؟
- علامات حيرة ترتسم على ملامحه، وكأنه يعيد ترتيب أفكاره قبل أن يجيبنى قائلا: «إن المنتجات والأدوات الجديدة أصبحت ضرورة للسوق، وليست مجرد إضافة شكلية إلى شاشات التداول».
يوضح أن تنوع الأدوات المالية يمثل أحد مفاتيح تعزيز الميزة التنافسية للبورصة، ويمنحها قدرة أكبر على مواكبة أسواق المنطقة، التى قطعت شوطًا فى تنويع منتجاتها وأدواتها الاستثمارية، بهدف توسيع قاعدة المتعاملين وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.
فالسوق، فى نظره، لا يستطيع أن يظل جامدًا أمام عالم يتغير بوتيرة متسارعة؛ وكلما اتسعت خريطة المنتجات، زادت قدرة المستثمر على اختيار الأداة التى تتناسب مع أهدافه ودرجة المخاطر التى يقبلها، وأصبح السوق أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب رؤوس الأموال.
العلم يمنح الإنسان مفاتيح الفهم والتحليل واستيعاب المتغيرات، بينما تمنحه التجربة القدرة على اختبار ما تعلمه أمام واقع لا يعرف الثبات، ولا يتوقف طموحه للشركة مع مجلس الإدارة عند حدود ما تحقق، فـالتطوير المستمر للبنية التكنولوجية يمثل أحد المحاور الرئيسية فى المرحلة المقبلة، بالتوازى مع التوسع فى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى لإدارة العمليات ورفع كفاءتها، بما يدعم استدامة النمو ويمنح المؤسسة قدرة أكبر على مواكبة التحولات المتسارعة فى صناعة الخدمات المالية، وفى هذا الإطار، تأتى عملية تفعيل وتطوير تطبيق الهاتف المحمول «Mobile Application» كإحدى الأدوات المهمة لتوسيع قاعدة العملاء وتسهيل وصولهم إلى الخدمات، مع استهداف زيادتها بنحو 20%، إلى جانب السعى لرفع الحصة السوقية إلى نحو 5% بحلول عام 2027.
يجتهد حتى يصل فى النهاية إلى اللحظة التى يشعر فيها بقيمة ما حققه، يحث أولاده على التعلم المستمر، والرضا، ولكن يظل شغله الشاغل الوصول بالشركة مع مجلس الإدارة إلى الريادة.. فهل يستطيع تحقيق ذلك؟