بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

أدب الفكاهة من أجل الأمل والحياة

يقول الكاتب الفرنسي "رابلييه" إن كتابة الضحك خيرٌ من كتابة البكاء؛ لأن الضحك من خصائص الإنسان التي تميزه؛ فالضحك خصلة من الخصال اللازمة للنوع الإنساني، والكاتب الفكاهي يحقق المعنى الكامل للإنسانية، فهو يفكر ويعبر عن تفكيره بالألفاظ والعبارات، كما أنه يفعل شيئًا مُحَبَّبًا إلى النفوس، فالضحك بلا شك أفضل من البكاء؛ لأنه تعبيرٌ عن السرور والفرح والمتعة واللذة، على حين يعبر البكاء عادةً عن الألم والحزن، والناس بفطرتهم يُؤْثِرُون المرح على الكآبة والضحك على الدموع؛ فالكاتب الذي يضحكهم أحبُّ إليهم من الذي يبكيهم؛ ذلك يسعدهم ويرضيهم، وهذا يحزنهم ويشقيهم.

على أن الفكاهة ليست دائِمًا وليدة الشعور بالسعادة أو خُلُوِّ البال؛ فكثيرًا ما تكون عزاءً في المُلِمَّات وسُلوانًا في لحظات اليأس والهزيمة النفسية، وإن أسوأ المواقف الحالكة هي الأحوج إلى الحكمة الباسِمَة التي تمسح الجراح وتجدد فينا الأمل، ولو لم يكن في حياتنا بلاءٌ وأحزان لما اشتقنا إلى الضحكة والابتسامة، فالحزن يدفعنا إلى الفكاهة لأنها علاجه الناجع وأحد أهم أسباب تمسكنا بالحياة.

يقول الشاعر الإنجليزي "لورد بيرون": ينبغي أن نضحك أحيانًا لكي نمنع أنفسنا من البكاء" ويذهب بعض علماء النفس إلى القول بأن الضحك في نشأته الأولى كان وسيلةً لمقاومة الآلام البدنية الداخلية كالمغص مثلًا.

ومن الأمور الشائعة النظر إلى الكاتب الفكاهي على أنه يكتب من أجل التسلية والمرح فقط، وهذا غير صحيح بلا أدنى شك؛ فهو يكتب ليميز الخبيث من الطيب، ويفرق بين الخير والشر، بين النافع والضار، ويضع يده على ما يدخل السلام النفسي في حياتنا داعيًا إليه، وعلى ما يُكَدِّر صَفْوَنا محذرًا منه؛ فالكاتب الفكاهي مفكرٌ ضاحك يستخرج الدروس والعِبَر من نوائب الدهر وأزمات الحياة، وهو أشبه بالطحَّان الذي يطحن كل حَبَّة يُؤتَى بها إلى طاحونته سواءً كانت جيدةً أم رديئة، ثم في النهاية يخرج لنا ما يمكن أكله وهضمه، فكذلك الكاتب الفكاهي الذي يهضم تفاصيل أيامنا بحلوها ومرها ثم يخرج لنا الحكمة في صورة طُرفَة تضحكنا وتُعَلِّمُنا في وقتٍ واحد.

والحقيقة الساطعة أن الغالب على كبار الفكاهيين من أدباءٍ وممثلين أنهم يضحكون الناس فيما قلوبهم تنطوي على الهم والأسى لأنهم من أكثر الناس فهمًا، ومع الفهم يأتي الحزن، فالبلادة تعصم صاحبها أحيانًا من الأسى لأنه لا يفهم بواعثه وأسبابه، ولذلك يقترن الهمُّ بالذكاء ويجد الأديب في نفسه غضبًا من بعض الأمور فيدفعه الغضب إلى السخرية، ومن السخرية تتولد معركة إنسانية ضد كل أَوْجُهِ الفساد، وبذلك يصبح للأدب الساخر أهميته في نهضة الأمم لأنه يسخر من أمراضها الاجتماعية، ويطلق سهام النقد المَرِح على أشكال التخلف بما يُنَفِّر الناس منها ويدعوهم إلى التعلم ومداواة أمراض النفوس، فالكاتب الساخر يحث الناس من حوله على طلب الكمال وتهذيب السلوك والتزود من العلم والمعرفة.

ومن أبرز الأمثلة على حزن أدباء الفكاهة الكاتب الأمريكي "مارك توين" الذي كانت حياته حافلةً بالألم بينما كانت كتابته تقطر مرحًا وخفة ظل، ولأنه اشتهر بالفكاهة رأيناه يحفظ العبارات والحكايات الفكاهية الخفيفة قبل ذهابه إلى الحفلات والولائم التي يُدعَى إليها؛ لأن أصحابه وجمهوره في تلك الحفلات ينتظر منه الدعابة والسخرية وربما لو لم يفعل ذلك لأدخل عليهم الشعور بالندم وخيبة الأمل؛ فقد كان أحد أهم عناصر إسعادهم.

وعندنا مثالٌ آخر يستدعي الاحترام والتقدير وهو الكاتب الإنجليزي الساخر "سويفت" وكان رجل دين برتبة "أُسْقُف" وكثيرًا ما انتابه الحزن، كما أنه مع الأسف كان مريضًا، وقد عُرِفَ عنه حبه للعزلة، ورغم كل هذا كان الناس يضحكون من قلوبهم حين يقرأون كتاباته المرحة والتي من أشهرها "رحلات جَلِيفَر"..

ومِمَّا رأيناه عند بعض الأدباء الفكاهيين وبعض ممثلي الكوميديا أنهم رغبةً منهم في التجديد والتنوع حاولوا التحول إلى التراجيديا؛ إلا أن الممثل الكوميدي عادةً لا ينجح في فرض نفسه ممثلًا تراجيديًّا مهما بلغ فهمه للنفوس والمشاعر وإتقانه لفن التمثيل؛ ذلك أن الناس كانوا وما يزالون يرون فيه صورة المضحك الهازِل، وهم لهذا يضحكون في المواقف التي يُفتَرض أن تحزنهم أو تبكيهم.

ومن عجائب الدراما المصرية أن الممثل القدير "عبد المنعم إبراهيم" استطاع أن يتحول إلى التراجيديا في مرحلة الثمانينيات التي شهدت نضجه الفني كما شهدت وصوله إلى الشيخوخة، ففي هذه المرحلة أتقن "عبد المنعم" الأدوار الجادة وتألق في دور الأب والجد الحزين والحكيم في الجزء الثاني من مسلسل "الشهد والدموع" الذي كتبه المؤلف الدرامي الكبير "أسامة أنور عكاشة".

كما تألق في الأدوار الجادة والتراجيدية أحد أهم رواد الكوميديا في مصر والمنطقة العربية وهو الفنان الشهير "عبد المنعم مدبولي" صاحب مدرسة "المدبوليزم" في الكوميديا. وفي المقابل حاول بعض ممثلي الكوميديا أن يخرجوا عنها فلم ينجحوا، لا لعلةٍ فيهم؛ وإنما لأن الجمهور لا يراهم إلا في الأدوار المبهجة التي تخفف عنهم ضغوط الحياة وتعطيهم دفعة لاستكمال السير والمجاهدة في دروبها.

وقد اهتم أباء التراث العربي بفن الفكاهة وصنفوا من أجله الكتب؛ فهذا الوزير الكاتب "أبي سعد منصور بن الحسين الآبي" المتوفى سنة 421هـ يقسم كتابه "نثر الدرر" إلى جزئين: جدي وفكاهي، وكان هذا هو عرف الأدباء العرب في العصور السابقة حتى امتلأت كتبهم بالنكات والنوادر.

وما زال العلماء والأفاضل تعجبهم المُلَح ويَهُشُّون لها؛ لأنها تريح القلوب من المعاناة، والأذهان من كَدِّ الفكر، وتُجِمُّ النفوس، وكان بعض الأذكياء من الكُتَّاب يستدرجون القارئ بالفكاهة حتى ينتقلوا به إلى الجد، وبعضهم يضع الفكاهة بعد الجد للتخفيف على القارئ ودفع الملل عنه، والفكاهة الأدبية إلى هذا كله كانت مرآةً للحياة الاجتماعية في العراق ومصر وبلاد الشام، وهي البلاد التي نشأت ونمت فيها الحضارة الإسلامية المشرقية الزاهرة.

ويذكر لنا الجاحظ عناية العلماء بالمُلَح والفكاهات ردًّا على من عاب طريقته المرحة فيقول: " وقلتَ: وما بال أهل العلم والنظر يكتبون كتب الظرفاء والمُلَحاء، وكتب الملاهي والفكاهات؟! فهلا أمسكت – يرحمك الله- عن عيبها والطعن فيها إلى أن تبلغ حال العلماء ومراتب الأكْفَاء؟!" ونفهم من هذه العبارة أن العلماء يتعمدون كتابة الفكاهة لحكمة يعرفونها فهي أفضل أو من أفضل ما يتوصلون به إلى التعليم والإفهام وهي باب من أبواب الإصلاح والتربية، ولهذا كانوا يمزجون الجِدَّ بالمزاح حتى لا يثقلوا على القارئ وحتى يستسيغ ما يكتبونه فلا يشعر بصعوبته وينفر منه لذلك أو يشعر بسخافته على ما فيه من الإفادة، وذلك لأن الإنسان يُقبِل على كل ما هو مفيد وممتع في نفس الوقت.

ومن المُلَح التي ذكرها "أبو سعد الآبِي" أن الحكيم اليوناني "ديمانوس" جاءه رجلان يخطبان ابنته، وكان أحدهما غنيًّا والآخر فقيرًا؛ فاختار الفقير، وظن الناس أنه أحمق وتكلموا بذلك حتى بلغ الأمر الإسكندر المقدوني فطلب حضور ديمانوس عنده وسأله عن تفضيله الخاطب الفقير على الآخر الغني وتزويجه لابنته؛ فقال ديمانوس: لأن الغني كان جاهِلًا أحمقًا أخاف عليه من الفقر بعد الغِنَى؛ أما الفقير فكان عاقِلًا فرجوت له الغنى لَمَّا علمت أنه يعمل ولا يكسل.