قطع رقاب ولا قطع أرزاق
أرفض بشدة الإساءة إلى الأديان، فالدين لله والوطن للجميع، وكل إنسان حر أن يعبد الله بمعتقده، لكنه ليس حرًا في تناول عقيدة غيره بالتسفيه والازدراء، فالحرية مسئولية يجب ألا تتخطى حدودها، لتسيء إلى الغير ومعتقده، والإسلام يحث على احترام عقائد الآخرين، وكذلك تفعل المسيحية، فالتسامح الديني موجود في الشريعتين، ومن يدعي غير هذا أما جاهل أو متغابي، أو قاصد الفتنة.
أقول هذا بسبب الضجة الحادثة على وسائل التواصل الاجتماعي، بشأن إيقاف المذيعة دينا المصري عن العمل، وإلغاء برنامجها، وهي ضجة مفتعلة، تعمد بعضهم بإثارتها تزكية نيران العنصرية الطائفية حولها، بداية الحكاية كانت ببوست تشكو فيه المذيعة من عدم سماعها الآذان، نتيجة لحظر الكمبوند الذي تقيم به استعمال مكبر الصوت بالمسجد، إلى هنا الشكوى عادية ولا شيء فيهايمس عقائد الغير، وكثيرًا ما سمعناها من آخرين، إلا أن شخصًا غير مسلم حشر نفسه في البوست، بتعليق مسيء للإسلام، مما أثار حفيظة المذيعة، فردت الإساءة بمثليتها، وتحول الأمر من مجرد شكوى عادية، إلى نقاشات دينية تمس الديانتين.
وبدلا من أن تحتوي القناة التي تعمل بها المذيعة الفتنة، ببيان يقف موقفًا وسطًا يهدأ النفوس، قامت بتصرف زادها اشتعالًا، عبر إيقاف المذيعة ومنع برنامجها، متخذة بذلك موقفًا منحازًا لطرف دون آخر دون تحقيق، متناسية أن الطرف الثاني هو من بدأ الإساءة، وأن المذيعة ردت عليه، وقادها اعتزازها بدينها لخطأ تعميم كلامها.
أنا لست مع المذيعة ولا مع الطرف الآخر، لكني أنظر للأمر من منظور العدالة، فالطرفان جانبهما الصواب، لكن معاقبة طرف وتجاهل إساءة الطرف الآخر، فيه ظلم وتحيز، بخاصة حين يتعلق الأمر بقطع الرزق، وقد قيل في أمثالنا: "قطع رقاب ولا قطع أرزاق".
نحن لو تأملنا ما ينشر أو يذاع عبر الإعلام، نجد أن الآونة الأخيرة سادت فيها حملات تشكيك في الدين الإسلامي، والإساءة لشريعته ورموزه، من أناس فاقوا كفار قريش في عدائهم للإسلام، وسط صمت مريب من أجهزة الدولة، فأحدهم يزعم أن هناك أحكامًا قطعية في القرآن الكريم لا تناسب العصر، وآخر يشكك في إسراء الرسول عليه الصلاة والسلام ومعراجه، وثالثيروج لمزاعم الصهاينة، أن المسجد القصى ليس هو الموجود في القدس الشريف، ورابعة تدعو إلى تعدد الأزواج أسوة بتعدد الزوجات، وخامسة تطرح المساكنة بديلًا للزواج الشرعي، وغير ذلك من الآراء الشاذة التي تفسد العقيدة والقيم في نفوس شبابنا، ومع ذلك لم يتخذ اي إجراء مع أصحاب هذه الآراء، التي تهدم بنيان الشريعة من أساسه، وتزدري الدين الإسلامي.
فلماذا الصمت على هؤلاء، والتحرك السريع لذبح دينا وقطع رزقها؟ أهو الكيل بمكيالين أم أن هناك أمورًا خفية لا نعلمها؟
إنني أطالب الزميل أحمد المسلماني بمراجعة قرار القناة بإيقاف المذيعة ومنع برنامجها، بخاصة أن الواقعة عبارة عن مشاحنة على الفيس بوكن ولا علاقة لها بعملها، مشاحنة بدأها طرف طائفي، وخرج منها سليما، فيما أصابت تداعياتها المذيعة في مصر رزقها.