خبير عسكري يعلق على مراجعة الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط بعد الحرب مع إيران
تثير التحركات الأمريكية الأخيرة بشأن مستقبل الوجود العسكري في منطقة الشرق الأوسط تساؤلات واسعة حول طبيعة الاستراتيجية التي قد تتبناها واشنطن خلال المرحلة المقبلة، خاصة في أعقاب الأضرار التي لحقت بعدد من القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية نتيجة الحرب مع إيران.
ويأتي ذلك في وقت تعيد فيه وزارة الدفاع الأمريكية تقييم طبيعة انتشار قواتها في المنطقة، ومدى الحاجة إلى إعادة بناء بعض المنشآت المتضررة بالشكل الذي كانت عليه قبل النزاع.
ويفتح هذا التقييم الباب أمام احتمالات متعددة بشأن مستقبل القواعد والقوات الأمريكية المنتشرة في الخليج والشرق الأوسط، في ظل اتجاه داخل الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب الأولويات العسكرية، سواء من خلال الإبقاء على الانتشار الحالي، أو تقليص بعض أشكاله، أو إعادة توزيع القوات والقدرات بما يتناسب مع التهديدات التي ترى واشنطن أنها تمثل أولوية خلال السنوات المقبلة.
ومن جانبه، علق اللواء سيد مخلوف، الخبير العسكري، على توجه وزارة الدفاع الأمريكية لإعادة تقييم وجودها العسكري في الشرق الأوسط، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات على التوازنات الأمنية والعسكرية في المنطقة.
مراجعة الوجود العسكري الأمريكي
ويجري البنتاجون تقييمًا لوجوده العسكري في الشرق الأوسط، في خطوة تأتي بعد تعرض عدد من المنشآت والقواعد الأمريكية لأضرار خلال الحرب مع إيران، وفق المعلومات الواردة في التقرير.
ويتركز أحد المحاور الرئيسية للمراجعة على مستقبل القواعد الأمريكية في منطقة الخليج، وما إذا كانت واشنطن ستتجه إلى إعادة بناء المنشآت التي تعرضت للأضرار بالشكل الذي كانت عليه، أم ستعيد النظر في طبيعة انتشارها العسكري وحجم القوات الموجودة في المنطقة.
ورأى اللواء سيد مخلوف أن هذه الخطوة تعكس محاولة أمريكية لإعادة تقييم شكل الانتشار العسكري وفقًا للمتغيرات الجديدة، خاصة أن تكلفة الحفاظ على قواعد عسكرية كبيرة في مناطق التوتر لا ترتبط فقط بالنفقات المالية، وإنما تمتد إلى متطلبات الحماية والدفاع عنها في حال اندلاع مواجهات جديدة.
نحو إعادة توزيع القوات والقدرات
وتتولى جهات داخل وزارة الدفاع الأمريكية عملية تقييم الوجود العسكري، بالتوازي مع مشاركة هيئة الأركان المشتركة والقيادة المركزية الأمريكية في دراسة مستقبل الانتشار.
وأشار الخبير العسكري إلى أن إعادة التقييم لا تعني بالضرورة انسحابًا أمريكيًا كاملًا من الشرق الأوسط، وإنما قد تكون مقدمة لإعادة توزيع القوات والقدرات العسكرية، بحيث تعتمد الولايات المتحدة بصورة أكبر على التحرك السريع والقوات المتنقلة، بدلًا من الاعتماد الكامل على قواعد ثابتة وكبيرة يمكن أن تصبح أهدافًا في حالة نشوب صراع إقليمي.
وأضاف أن طبيعة الصراعات الحديثة أظهرت أهمية امتلاك قدرات عسكرية مرنة يمكن نقلها بسرعة بين المناطق، إلى جانب أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي والطائرات والسفن الحربية، بما يمنح واشنطن قدرة أكبر على التعامل مع الأزمات دون الحاجة إلى الاحتفاظ بكل قواتها في قواعد ضخمة ودائمة.
نحو 40 ألف جندي أمريكي بالمنطقة
وتنتشر القوات الأمريكية في عدد من دول الشرق الأوسط، حيث تضم المنطقة عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين، إلى جانب الطائرات والسفن الحربية ومنظومات الدفاع الجوي والمعدات العسكرية المختلفة.
وأكد مخلوف أن أهمية هذا الانتشار بالنسبة للولايات المتحدة لا ترتبط فقط بالعمليات العسكرية المباشرة، وإنما تمتد إلى حماية المصالح الأمريكية وحلفائها، وتأمين خطوط الملاحة والطاقة، والحفاظ على القدرة على التدخل السريع عند حدوث أي أزمة.
وتستضيف دول خليجية رئيسية منشآت عسكرية أمريكية مهمة، من بينها البحرين التي تضم مقر الأسطول الخامس الأمريكي، إلى جانب وجود قوات ومنشآت عسكرية أمريكية في دول أخرى بالمنطقة.
هل تتجه واشنطن لتقليص وجودها؟
ورأى الخبير العسكري أن الحديث عن تقليص الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط يجب التعامل معه بحذر، لأن الولايات المتحدة قد تغير شكل وجودها العسكري دون أن تتخلى عن المنطقة أو مصالحها الاستراتيجية فيها.
وأوضح أن واشنطن قد تتجه إلى تقليل حجم بعض القوات الموجودة بصورة دائمة، مقابل تعزيز الاعتماد على القوات البحرية والجوية والقوات ذات القدرة على الانتشار السريع، بما يسمح لها بالتدخل عند الحاجة دون تحمل الأعباء المرتبطة بوجود عسكري ضخم ومستمر.
كما أن أي قرار أمريكي بإعادة تشكيل الانتشار العسكري سيكون مرتبطًا بدرجة كبيرة بتقييم واشنطن للتهديدات المستقبلية، خصوصًا في ظل رغبة بعض دوائر الإدارة الأمريكية في توجيه جزء أكبر من الموارد العسكرية والاستراتيجية نحو مواجهة تحديات أخرى، وعلى رأسها الصين.
الخليج أمام مرحلة جديدة
وأوضح أن إعادة تقييم الوجود العسكري الأمريكي قد تفرض على دول المنطقة التعامل مع مرحلة جديدة في الحسابات الأمنية، خاصة إذا قررت واشنطن تغيير طبيعة انتشارها أو تقليص بعض التزاماتها العسكرية المباشرة.
وفي المقابل، لا يعني أي خفض محتمل للقوات الأمريكية اختفاء الدور الأمريكي من المنطقة، إذ تظل واشنطن تمتلك شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات والقدرات العسكرية، فضلًا عن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي تجعل الشرق الأوسط منطقة ذات أهمية كبيرة في الحسابات الأمريكية.
وخلص الخبير العسكري إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا في مثل هذه الحالات هو إعادة التموضع وإعادة توزيع القدرات أكثر من الانسحاب الكامل، خاصة أن الولايات المتحدة لن ترغب في فقدان قدرتها على التأثير في منطقة ترتبط بمصالح استراتيجية وأمنية متعددة.