هل يصبح الذكاء الاصطناعي بديلًا للطبيب؟
يصل مريض إلى قسم الطوارئ مصابًا بضعف مفاجئ في ذراعه واضطراب في النطق. تشير الأعراض إلى احتمال إصابته بسكتة دماغية، وفي هذه الحالة لا يكون الوقت مجرد رقم على الساعة، بل يصبح جزءًا من العلاج.
يسمي الأطباء الدقائق الأولى بعد ظهور الأعراض «الساعة الذهبية»، لأن سرعة التشخيص والتدخل تؤثر في فرص التعافي، رغم أن المدة الفعلية المتاحة للعلاج تختلف بحسب نوع السكتة وحالة المريض.
في المسار التقليدي، تُجرى الأشعة، ثم تُرسل إلى الطبيب المختص لمراجعتها، وبعد ذلك يبدأ التواصل مع فريق السكتات الدماغية لاتخاذ القرار، وهي خطوات قد تستهلك وقتًا ثمينًا.
ولاختصار هذا الوقت، تستخدم بعض المستشفيات البريطانية نظامًا للذكاء الاصطناعي يُعرف باسم «Brainomix 360 Stroke». يستطيع النظام تحليل صور المخ خلال دقائق، وتحديد العلامات المشتبه بها، وإرسال النتائج سريعًا إلى الفريق الطبي، باعتباره أداة لدعم القرار السريري.
وفي دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة The Lancet Digital Health، جرى تقييم أثر النظام مباشرة داخل 26 مستشفى بإنجلترا. وأظهرت النتائج زيادة نسبة المرضى الذين خضعوا للقسطرة لاستخراج الجلطة، إلى جانب تقليل الوقت اللازم لتحويل المريض من مركز السكتات الأولي إلى المركز المتخصص بنحو 64 دقيقة.
لا يعالج النظام المريض، ولا يتخذ القرار بدلًا من الطبيب، لكنه يختصر الوقت اللازم لوصول المعلومة الصحيحة إلى صاحب القرار.
هذه هي القصة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في الصحة: ليست قصة آلة تنافس الطبيب، بل قصة شريك يساعده في سباق مع الزمن.
القصة أقدم من ChatGPT
يعتقد كثيرون أن الذكاء الاصطناعي بدأ مع ظهور ChatGPT في نهاية عام 2022، لكن استخدام الحاسب في دعم القرارات الطبية يعود إلى عقود.
ظهر مصطلح «الذكاء الاصطناعي» عام 1956. وفي سبعينيات القرن الماضي، طُوّر في الولايات المتحدة نظام يسمى «MYCIN» لمساعدة الأطباء في اختيار المضادات الحيوية المناسبة لبعض أنواع العدوى الخطيرة. لم ينتشر النظام على نطاق واسع، لكنه أثبت مبكرًا أن الحاسب يمكنه مساعدة الطبيب في تحليل الاحتمالات العلاجية.
وفي الصين، طوّر الطبيب الصيني قوان يوبو، بالتعاون مع فريق متخصص في الحاسب داخل مستشفى بكين للطب الصيني، برنامجًا للمساعدة في تشخيص أمراض الكبد واقتراح علاجها. اكتمل تطوير البرنامج عام 1978، ودخل الاستخدام رسميًا في يناير 1979، ويُعد من أقدم الأنظمة الطبية الخبيرة في الصين.
كانت هذه الأنظمة تعتمد على قواعد يكتبها الأطباء والمبرمجون مسبقًا. أما الأنظمة الحديثة، فتعتمد على التعلم الآلي (Machine Learning) والتعلم العميق (Deep Learning)، وتتعلم من أعداد ضخمة من الصور والسجلات والحالات الطبية.
وفي بداية عام 2025، أعلنت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية أنها سمحت بتداول أكثر من ألف جهاز طبي مدعوم بالذكاء الاصطناعي عبر مساراتها التنظيمية المختلفة. وهذا يؤكد أن التكنولوجيا لم تعد مجرد تجربة بحثية، بل أصبحت جزءًا من الواقع الطبي المنظم.
وخلال عام 2026، أصبح اتجاه جديد أكثر وضوحًا؛ فلم يعد الذكاء الاصطناعي يقتصر على تحليل المعلومات أو تقديم الإجابات، بل بدأ يساعد في اكتشاف الأدوية، ويدخل في الروبوتات، وينظم خطوات متعددة، وينفذ بعض المهام تحت إشراف الإنسان.
ويُعرف هذا الاتجاه باسم «الذكاء الاصطناعي الوكيلي أو التنفيذي» (Agentic AI). وكلما انتقل الذكاء الاصطناعي من تقديم النصيحة إلى المشاركة في التنفيذ، ازدادت أهمية الرقابة البشرية وتحديد المسؤولية.
الدرس الصيني: ابدأ بالمشكلة لا بالتكنولوجيا
خلال زياراتي المتعددة إلى الصين على مدار أكثر من عشر سنوات، أتيحت لي فرصة زيارة عدد من شركات التكنولوجيا والمؤسسات الصحية المتخصصة في الرعاية الصحية الذكية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ولفت انتباهي أن السؤال لم يكن دائمًا: ما أحدث تقنية يمكن شراؤها؟ بل كان السؤال الأكثر أهمية: ما المشكلة التي يمكن حلها؟
فكيف يمكن تقديم خدمة صحية لمجتمع يزيد تعداده على مليار نسمة، ويضم عشرات الآلاف من المستشفيات، دون أن ينهار النظام تحت ضغط أعداد المرضى؟
لم تكن الإجابة في جهاز واحد أو تطبيق سحري، بل في مجموعة من الحلول العملية: نظام يوجه المريض إلى العيادة المناسبة، وآخر ينظم قوائم الانتظار، وثالث يساعد في تحليل الأشعة، إلى جانب أنظمة لمتابعة الأسرة والأدوية وتوقع أعداد المرضى.
وبعض الأنظمة التي اطلعت عليها لم تكن تسمى وقتها «ذكاءً اصطناعيًا» بالمفهوم الحالي؛ فقد بدأت بالأتمتة وتحليل البيانات والإدارة الإلكترونية، ثم تطورت بعد ذلك باستخدام التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي.
وفي تجربة داخل مركز شنغهاي الطبي للأطفال، شملت أكثر من 12 ألف زيارة، ساعد نظام ذكي في خفض متوسط انتظار المريض من نحو ساعتين إلى أقل من نصف ساعة.
لم يشخّص النظام المرض بدلًا من الطبيب، لكنه أعاد تنظيم رحلة المريض ومسار العمل داخل المستشفى (Patient Workflow). وأحيانًا لا يكون الإنجاز الأكبر في زيادة «ذكاء» التشخيص، بل في تقليل الفوضى والانتظار وإهدار الموارد.
البيانات... وقود الذكاء الاصطناعي
لا يمكن لأي نظام ذكي أن يكون أفضل من البيانات التي يتعلم منها. فالبيانات بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي تشبه الوقود بالنسبة إلى المحرك؛ إذا كان الوقود رديئًا، فلن يعمل المحرك بالكفاءة المطلوبة مهما بلغت قوته.
قد يعمل النظام بكفاءة مع المرضى الذين تدرب على بياناتهم، ثم تتراجع دقته عند استخدامه مع مجتمع مختلف في العمر أو الخصائص الوراثية أو نمط الحياة. لذلك يجب إجراء «تحقق محلي» (Local Validation) لأي نظام، باستخدام بيانات تمثل المرضى الذين سيُطبق عليهم بالفعل.
كما أن البيانات الناقصة أو غير الدقيقة أو المكررة أو الموزعة بين أنظمة لا تتواصل مع بعضها لا تنتج ذكاءً حقيقيًا، بل قد تنتج أخطاء تبدو ذكية.
وهنا تظهر أهمية حوكمة البيانات (Data Governance)؛ أي وضع قواعد واضحة لجمع البيانات وتخزينها وحمايتها واستخدامها.
ومن حق المريض أن يعرف: من يملك بياناته؟ ومن يستطيع الاطلاع عليها؟ وهل تُستخدم في تدريب النظام دون علمه؟ وهل تنتقل إلى شركة أو دولة أخرى؟
ويبقى السؤال القانوني الأهم: إذا أخطأ النظام، فمن يتحمل المسؤولية؛ الطبيب، أم المستشفى، أم الشركة التي طورته؟
فالبيانات الجيدة قد تساعد على إنقاذ حياة، أما البيانات الرديئة فقد تحول خطأً محدودًا إلى خطأ آلي يؤثر في آلاف المرضى.
البداية ليست شراء برنامج
لا يبدأ الاستخدام الصحيح للذكاء الاصطناعي بشراء أحدث برنامج، بل بتحديد مشكلة واضحة نريد حلها: هل هي تأخر تقارير الأشعة؟ أم ازدحام العيادات؟ أم ضعف متابعة المرضى بعد خروجهم؟ أم تكرار الفحوص بصورة غير ضرورية؟
بعد ذلك، يبدأ مشروع تجريبي محدود، ويُختبر النظام على بيانات محلية، ثم تُقاس نتائجه باستخدام مؤشرات أداء واضحة (KPIs).
هل انخفض وقت الانتظار؟ هل تحسن اكتشاف الحالات؟ هل انخفضت التكلفة؟ هل أصبح عمل الفريق الطبي أكثر كفاءة؟ وهل حصل المريض على خدمة أفضل وأكثر أمانًا؟
ولا ينبغي التوسع في استخدام أي نظام قبل إثبات فاعليته وسلامته وجدواه الاقتصادية، مع استمرار مراقبته بعد التشغيل؛ لأن دقته اليوم ليست ضمانة لدقته غدًا.
كما يجب إشراك الأطباء والتمريض والعاملين في اختيار النظام وتصميم طريقة استخدامه. فالتحول الحقيقي لا يحدث عندما نضع برنامجًا جديدًا داخل المستشفى، بل عندما نعيد تنظيم العمل بحيث تخدم التكنولوجيا الفريق الطبي والمريض.
القرار الأخير يبقى للإنسان
لنعد إلى مريض السكتة الدماغية الذي بدأنا به المقال.
بينما يجمع الفريق الطبي تاريخه المرضي، ينتهي النظام الذكي من تحليل الصورة ويرسل تنبيهًا إلى العلامات المشتبه بها. لا يصف العلاج ولا يتخذ القرار، لكنه قد يوفر دقائق ثمينة ترفع فرص التدخل المبكر.
هذا هو الذكاء الاصطناعي الحقيقي في الطب: ليس عقلًا بديلًا، بل وقتًا مستردًا ومعلومة تصل في اللحظة المناسبة إلى الطبيب المسؤول.
ومع ذلك، يبقى شيء لا تستطيع الخوارزمية فعله: أن تجلس بجوار المريض، وتنظر في عينيه، وتشرح له خبرًا صعبًا، وتفهم خوفه وظروفه، وتوازن بين ما يستطيع الطب تقديمه وما يحتمله الإنسان.
ولهذا يجب أن يظل الطبيب دائمًا داخل دائرة القرار (Human-in-the-Loop)، وأن تبقى التكنولوجيا أداة تدعم حكمه المهني، لا بديلًا عنه.
لذلك، ليس السؤال: هل سيختفي الطبيب؟
السؤال هو: هل نبني أنظمة صحية قادرة على استخدام هذه التكنولوجيا بكفاءة ومسؤولية؟
فالطبيب الذي يصدق كل ما تقوله الآلة دون فهم حدودها قد يكون أخطر من الطبيب الذي لا يستخدمها. والمستشفى الذي يشتري عشرات الأنظمة دون قياس أثرها الحقيقي لا يمتلك ذكاءً اصطناعيًا، بل يمتلك فاتورة باهظة.
لن يذهب النجاح إلى من يشتري أحدث تقنية، بل إلى من يعرف متى تساعد الآلة الطبيب، ومتى يجب أن تتراجع، ليبقى القرار الأخير حيث يجب أن يكون دائمًا: بين يدي إنسان يتحمل مسؤوليته كاملة تجاه إنسان آخر.
استشاري تطوير المؤسسات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي