قصور فى اشتراطات السلامة ونقص أعداد المنقذين المؤهلين
حمامات السباحة.. مصائد الموت
رئيس الاتحاد المصرى للغوص: التوسع فى إنشاء الحمامات فى الكمبوندات والمدارس والجامعات وتشابك المسئولية أضعف الرقابة
مطلوب تفعيل أكواد التشغيل وإنشاء هيئة إنقاذ لها صلاحيات التفتيش
الدكتور شريف عبدالهادى استشارى القلب: الفحص الطبى الشامل ضرورى قبل الرياضة ويجنب الوفاة المفاجئة
هل تحولت حمامات السباحة إلى مصائد لقتل براءة الأطفال؟ سؤال يتكرر دائمًا بعد كل كارثة غرق طفل فى حمام السباحة.. سواء كان يلهو فى حوض الماء البارد ليحصل على متعة بريئة تكسر حرارة الجو الحارقة، أو كان بصدد تمرين معتاد لتعلم مهارات السباحة.
وقائع عدة تكثر خصوصًا فى فصل الصيف مع زيادة الإقبال على حمامات السباحة سواء فى النوادى أو مراكز الشباب أو حتى القرى السياحية.
وآخر تلك الوقائع وفاة طفل (تسع سنوات) أثناء تدريبات السباحة بنادى غزل المحلة فى محافظة الغربية، وقبلها أصيب أربعة أطفال باختناق داخل حمام السباحة بنادٍ رياضى بمنطقة مصر الجديدة على وقع إضافة فنى صيانة مادة الكلور إلى المياه أثناء وجود الأطفال داخلها خلال الحصص التدريبية، وفى يونيو الماضى توفى شاب (15 سنة) غرقًا فى حمام سباحة تابع لمديرية الشباب والرياضة بالدقهلية، إذ ظل 12 دقيقة تحت الماء دون أن يلاحظ أحد.
وعلى خلفية حادث مماثل قررت النيابة العامة حبس 3 مسئولين بأحد الأندية فى مركز البدرشين، لمدة 4 أيام على ذمة التحقيقات، بسبب غرق طفل داخل حمام السباحة، كما أمرت باستكمال التحريات، وفحص كاميرات المراقبة، والاستماع إلى أقوال العاملين وشهود العيان، لبيان ملابسات غرق الطفل «رحيم» البالغ من العمر 8 سنوات، أثناء وجوده بحمام سباحة النادى.
الرقابة الغائبة:
وكالعادة فى أعقاب كل حادث تتجدد المطالب بتشديد الرقابة على حمامات السباحة فى مصر دون أن يكون ذلك حدًا فاصلًا لوقوع المزيد من الكوارث وسط تحذيرات من خبراء ومسئولين من وجود قصور فى تطبيق اشتراطات السلامة، ونقص فى أعداد المنقذين المؤهلين، ما أعاد فتح ملف الرقابة على الأماكن الرياضية وكيفية حماية الأطفال المترددين عليها.
وفى هذا السياق أكد رئيس الاتحاد المصرى للغوص والإنقاذ ونائب رئيس الاتحاد الدولي، سامح الشاذلي، أن مواجهة تكرار حوادث الغرق فى حمامات السباحة والشواطئ تتطلب تحركًا مؤسسيًا عاجلًا، مطالبًا بإنشاء هيئة عامة للإنقاذ تتبع الاتحاد المصرى للغوص والإنقاذ، بالشراكة مع وزارة الشباب والرياضة والاتحاد المصرى للسباحة، على أن تكون مسئولة عن متابعة حمامات السباحة والشواطئ والفنادق والمنتجعات السياحية، مع منحها الضبطية القضائية للتفتيش على المنقذين والتأكد من حصولهم على الرخص والشهادات التدريبية المعتمدة، ومدى الالتزام بمعايير السلامة والأمان.
وأوضح الشاذلي، فى تصريحات خاصة لـ«الوفد»، أن التوسع الكبير فى إنشاء حمامات السباحة خلال السنوات الأخيرة جعل من الصعب إحكام الرقابة عليها، بعدما لم تعد تقتصر على الأندية الرياضية، وإنما امتدت إلى الفنادق والجامعات والمدارس الخاصة والكومباوندات السكنية والقرى السياحية، وهو ما أدى إلى تشابك جهات الإشراف عليها بين عدد من الوزارات والهيئات، من بينها الشباب والرياضة، والتعليم، والتعليم العالي، والسياحة، والصحة، والتنمية المحلية، وهو ما وصفه بأنه ملف شديد التعقيد.
وأشار «الشاذلي»، إلى أن عددًا من المستثمرين وأصحاب حمامات السباحة لا يلتزمون بتطبيق الأكواد المصرية الخاصة بالتشغيل ومعايير السلامة، سواء فيما يتعلق بأعداد المنقذين، أو توفير كراسى الإنقاذ المرتفعة، وأدوات الإنقاذ الأساسية مثل عصا الإنقاذ والصفارة والزى الرسمي، بالإضافة إلى سيارات الإسعاف والمنقذات المؤهلات، وأخطاء العنصر البشري، مثل انشغال المنقذ أو ضعف تركيزه أثناء العمل، تظل من أبرز أسباب وقوع حوادث الغرق والعدد المقرر لحمام السباحة الأوليمبى من المنقذين لايقل عن 8 أفراد من الإنقاذ.
وأضاف رئيس الاتحاد المصرى للغوص والإنقاذ، أن بعض مراكز الشباب والمنشآت السياحية تستعين بأشخاص غير حاصلين على شهادات رسمية أو دورات تدريبية معتمدة للعمل كمنقذين، ونسبة كبيرة من العاملين فى هذا المجال غير مؤهلين بالشكل المطلوب، وأن نحو 90% من المنقذين فى عدد من القرى السياحية بالساحل الشمالي، لا يمتلكون التأهيل المهنى اللازم للقيام بمهام الإنقاذ، وهو ما يمثل خطورة كبيرة على أرواح المواطنين.
وشدد رئيس الاتحاد المصرى للغوص والإنقاذ، على أن الحصول على رخصة الإنقاذ يخضع لاختبارات دقيقة، فى مقدمتها قدرة المتقدم على السباحة لمسافة 200 متر فى أقل من خمس دقائق، باعتبارها الحد الأدنى لاجتياز الاختبارات، إلى جانب اختبارات أخرى تقيس الكفاءة البدنية والمهارات العملية، لضمان أن يكون المنقذ على مستوى الجودة المطلوبة والقادر على التعامل مع حالات الطوارئ وإنقاذ الغرقى بكفاءة.
وكشف الشاذلى عن أن مصر تضم ما يقرب من 15 ألف حمام سباحة داخل الأندية ومراكز الشباب، بخلاف الفنادق والمنتجعات السياحية، فى حين لا توجد قاعدة بيانات دقيقة ترصد أعداد حمامات السباحة التابعة للوزارات والهيئات الأخرى، الأمر الذى يعوق الرقابة الشاملة، مجددًا مطالبته بإنشاء هيئة متخصصة للإنقاذ تتمتع بصلاحيات التفتيش والرقابة، بما يضمن تطبيق الأكواد الفنية، ورفع كفاءة المنقذين، والحد من حوادث الغرق مستقبلًا.
قال الدكتور شريف عبدالهادي، استشارى القلب، إن إجراء الفحص الطبى الشامل قبل ممارسة الأنشطة الرياضية، خاصة السباحة والرياضات التنافسية، أصبح ضرورة لحماية الأطفال والشباب من المضاعفات الصحية المفاجئة، مؤكدًا أن الكشف المبكر قد ينقذ حياة الكثيرين.
وأوضح عبدالهادى أن الفحص الطبى يجب ألا يكون إجراءً شكليًا، وإنما يتم داخل مراكز طبية معتمدة وبواسطة متخصصين، مع ضرورة عدم السماح لأى شخص بممارسة الرياضة قبل التأكد من سلامته الصحية واستبعاد أى أمراض بالقلب أو الجهاز الدورى قد تعرضه للخطر أثناء المجهود البدني، والكشف الطبى يبدأ بالفحص الإكلينيكى وتقييم الحالة العامة للاعب، ثم قياس ضغط الدم، وإجراء رسم قلب، وموجات صوتية على القلب (الإيكو)، وقد يتطلب الأمر إجراء رسم قلب بالمجهود فى بعض الحالات، خاصة بالنسبة لممارسى الرياضات التى تعتمد على مجهود بدنى مرتفع، مثل السباحة وكرة القدم والألعاب الجماعية، وكذلك طلاب المدارس والكليات الرياضية.
وأشار استشارى القلب إلى أن الفترة الأخيرة شهدت اكتشاف عدد من الحالات الخطيرة خلال الفحوصات الدورية، مؤكدا انه استقبل منذ أسابيع حالة للاعب كرة يد فى ناد شهير، يشكو من أعراض بسيطة بعد ممارسة الرياضة، وأثبتت الفحوصات وجود ورم داخل القلب الأذين الأيسر وتم استئصال الورم، وهو ما استدعى التدخل الطبى العاجل، وأنه تعامل أيضًا خلال الأسبوع الماضى مع حالة أخرى لأحد الرياضيين، وهو ما يؤكد أهمية الفحص المبكر وعدم الاكتفاء بغياب الأعراض.
وشدد استشارى القلب، على أن الاكتشاف المبكر لأمراض القلب يسهم بشكل كبير فى تجنب حالات الوفاة المفاجئة داخل الملاعب وحمامات السباحة، مطالبًا بتطبيق الفحص الطبى الإلزامى والدورى لجميع الرياضيين، وعدم منح أى لاعب تصريحًا بالمشاركة فى التدريبات أو المنافسات إلا بعد التأكد من لياقته الصحية بشكل كامل.
قال الكابتن على محمود مدرب السباحة بأحد الأندية، إن تكرار حوادث الغرق داخل حمامات السباحة يكشف وجود خلل فى الالتزام بإجراءات السلامة داخل بعض المنشآت الرياضية، ووجود منقذ مؤهل لا يقل أهمية عن وجود المدرب نفسه، وأولياء الأمور يعتقدون أن اشتراك الطفل فى تدريب السباحة يعنى أنه أصبح فى أمان كامل، بينما تظل مسئولية التأمين داخل حمام السباحة مشتركة بين المدرب والمنقذ وإدارة المنشأة، والأطفال، خاصة فى المراحل العمرية الصغيرة، قد يتعرضون لحالات غرق صامتة لا يصاحبها صراخ أو استغاثة، وهو ما يتطلب يقظة مستمرة وسرعة تدخل خلال الثوانى الأولى، مع ضرورة الالتزام بالنسبة القانونية لعدد المنقذين وفق مساحة الحمام وعدد المتدربين.
وأشار مدرب السباحة إلى أن بعض الأماكن والأندية والقرى السياحية تعتمد على أفراد غير مؤهلين أو غير حاصلين على دورات إنقاذ معتمدة تابعة للاتحاد المصرى للغوص والإنقاذ، وهو ما يمثل خطورة كبيرة، مع تكثيف حملات التفتيش للتأكد من صلاحية المنقذين ومنها تنفيذ تدريبات بدنية وفنية، وتوافر أدوات الإنقاذ والإسعافات الأولية، وعدم السماح بتشغيل أى حمام سباحة يخالف اشتراطات الأمن والسلامة، وللوقاية من حوادث الغرق تبدأ قبل النزول إلى المياه، من خلال تقييم مستوى السباح، والالتزام بتعليمات المدربين، وعدم ترك الأطفال دون رقابة، إلى جانب إجراء صيانة دورية لحمامات السباحة ومراجعة جودة المياه بشكل مستمر.
وقبل عامين، أغلقت وزارة الشباب والرياضة بمصر 47 حمام سباحة عامًا وخاصًا، وأوقفت جميع المسئولين والعاملين عن تشغيل تلك الحمامات، وبخاصة موضوع اشتراطات نسب الكلور ومضادات السميات وتوافر المنقذين، وإلغاء تراخيص عدد من الشركات الخاصة التى تعمل داخل مراكز الشباب والأندية بنظام حق الانتفاع غير المستوفية لاشتراطات الأمن والسلامة، ووقف المسئولين عن تشغيل حمامات السباحة التى ثبت عدم التزامها لاشتراطات الأمن والسلامة. فحص طبى أطلقت وزارة الشباب والرياضة فى شهر يونيو الماضى، النظام الشامل للفحص الطبى الشامل للرياضيين تأكيدًا على حرص الوزارة على دعم المنظومة الصحية داخل الهيئات الرياضية. وبدأت الوزارة، من خلال الإدارة المركزية للطب الرياضي، فى تنفيذ إجراءات إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية طبية موحدة، تُسجل فيها كل الفحوصات الخاصة بجميع اللاعبين، لتكون مرجعًا رسميًا معتمدًا، بما يُسهم فى تطوير جودة الرعاية الصحية، وتعزيز الأداء الرياضى المستند إلى بيانات دقيقة. تفاصيل الفحص الطبي، كشف باطنة وقلب، تحاليل معملية شاملة، فحص بجهاز السونار، تعبئة استمارة طبية معتمدة من وزارة الشباب والرياضة، تحديد الألعاب التى يمارسها كل لاعب مع حضور ولى الأمر إلزامى للاعبين القصر وقاعدة بيانات طبية إلكترونية، وتسجيل إلكترونى موثق ومعتمد لدى الهيئات الرياضية ووزارة الشباب والرياضة وإنشاء سجل طبى رسمى لكل لاعب.