بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

وزير الخارجية الليبي لـ "الوفد": لسنا حراسًا لشرق المتوسط لحساب أوروبا.. ونرفض «أمننة» ملف الهجر

بوابة الوفد الإلكترونية

يقف الملف الليبي اليوم وسط تعقيدات المشهد الداخلي المتشابك مع حسابات إقليمية ودولية فرضتها التحولات الجيو-سياسية المتسارعة في حوض المتوسط. وفي الوقت الذي تطرح فيه الوصفات الجاهزة من الخارج، يظل المسار الحقيقي لبناء الاستقرار مرهوناً بالقدرة على إحداث توازن بين الواقع الميداني وتطلعات الشارع الليبي

في هذا الحوار الخاص  لا يكتفي وزير الخارجية والتعاون الدولي بالحكومة الليبية الدكتور عبد الهادي الحويج، برسم حدود الموقف الرسمي تجاه القضايا العالقة، بل يضع أسباب الأزمة على طاولة التشريح السياسي بكل صراحة؛ معلن رفضة القاطع لتمرير «الأمننة» الأوروبية لملف الهجرة، والتي تسعى لفرض دور "حارس الحدود" على دول جنوب المتوسط، ومطالباً بمقاربة تنموية وتشاركية شاملة تربط دول المصدر والعبور والمقصد.

تتجاوز إجابات المسؤول الليبي البعد الدبلوماسي التقليدي لتمس أصل الأزمة الداخلية: من فوضى الـ 20 مليون قطعة سلاح منفلت تستنزف هيكلية الدولة، إلى غياب التوزيع العادل للثروات والمؤسسات.

يبدأ الحوار بقراءة واقعية تنطلق من التأكيد على محورية الدور المصري باعتباره الشريك الأقرب والوسيط النزيه الأقدر على بناء الثقة بين الفرقاء الليبيين بحكم الجوار والمصلحة المباشرة في الاستقرار. ويفتح الوزير ملف جامعة الدول العربية بصراحة لافتة، داعياً إلى إحياء الدور العربي ليكون فاعلاً ومبادراً، وليس مجرد صدى لردود الأفعال، ومتفائلاً بدور القيادة الجديدة نبيل فهمي ..وإلي نص الحوار

 

س: معالي الوزير، كيف تقيمون الدور المصري الحالي في تقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية ودعم الاستقرار؟

ج: مصر دولة مهمة جداً ذات دور ريادي وقيادي لا يستطيع أحد إنكاره. نحن نرى في جمهورية مصر العربية الشقيقة الوسيط النزيه وصمام الأمان، ليس لليبيا فحسب بل للمنطقة العربية بأسرها. إن القيادة المصرية تبذل جهوداً كبيرة، ونتطلع دائماً إلى دور مصري أكبر ومستمر في دعم ملف المصالحة الوطنية الشاملة والرئاسية والسياسية ورأب الصدع بين الأشقاء الليبيين؛ لأن مشكلتنا الأساسية هي بناء الثقة، ومصر كـ «وسيط نزيه» لديها مصلحة مباشرة في استقرار ليبيا، بخلاف بعض الأطراف التي تعتاش على زعزعة الاستقرار.

نحن شعب واحد في بلدتين، ونأمل في مزيد من الشراكة في مجالات العمالة والشركات وتبادل المعلومات الأمنية، وأن استئناف عمل القنصلية المصرية في بنغازي دليل وإشارة هامة على هذا التعاون الوثيق.

س: ماذا عن ملف تنمية وإعمار ليبيا وتنظيم سوق العمالة المباشرة؟

ج: نحن نرحب طبعاً بالعمالة المصرية، والعمالة الأفريقية، والعمالة المختلفة من دول العالم، ولكن في إطار احترام القانون ووفق عقود عمل من وزارة العمل، وأن تكون لديهم شهادات صحية وفق ضوابط وكريتيريا (معايير) اعتمدت في اجتماع هذا الأسبوع وجاري تنفيذها بعون الله.

 ليبيا بلد واعد من حيث الإمكانيات، ليبيا هي ورشة إعمار كبيرة جداً وفيها كبرى الشركات اليوم وهناك مشاريع كبرى بمليارات الدينارات والدولارات، وهذه ستستقطب العمالة طبعاً، ولكن العمالة نريدها أن تكون عمالة منظمة وأن تعمل وفق القوانين الوطنية.

ومصر هي حبيبتنا وتجربتها التنموية ثرية ومتميزة ونحن نستفيد منها. مصر دائماً تحظى بالأولوية على الصعيد الرسمي والشعبي، والأيادي المصرية أيادٍ ماهرة، والمواطن المصري وموجود في كل حي وشارع في ليبيا بلا مشاكل.

نحن عندنا مشاكل من بعض الجنسيات أقولها بكل صراحة وبدون أن نسميها، ولكن أشقاؤنا المصريون النسب الغالبة هم مسالمون وناجحون ولديهم مشاريع عمل ناجحة، وبالتالي نحن ندعم تواجدهم كعمل وفق الضوابط ووفق القوانين.

س: في ظل استمرار حالة الانقسام السياسي، ما هي فرص التسوية التي تراها وزارة الخارجية وتسعى إليها؟

ج: أولاً الانقسام من طرف واحد، نحن لسنا دعاة انقسام. نحن حكومة منتخبة تمثل إرادة الشعب الليبي ونخضع للسلطة التشريعية التي هي مجلس النواب كأي حكومة في العالم.

هناك حكومة أخرى في طرابلس هي تمثل طرابلس وهي جزء فقط (20% أو نحو ذلك من جغرافية البلد وديموغرافية البلد)، نحن موجودون على 80%، وحتى على بعد 40 كيلومتراً من العاصمة طرابلس هناك بلديات تتعامل وتخضع للحكومة الليبية وتتعامل مع وزارة الحكم المحلي والوزارات ذات الصلة.

 نحن نؤمن بليبيا واحدة وعاصمتنا طرابلس، ولكن أيضاً نحن نؤمن بأن ليبيا للجميع وليست حكراً لعائلة أو مدينة أو منطقة أو قبيلة؛ ليبيا يجب أن تكون لكل الليبيين.

المشكلة في ليبيا هي التوزيع العادل للثروات، والتوزيع العادل للمؤسسات، والتوزيع العادل أيضاً للموارد البشرية؛ لا يوجد توزيع عادل للاسف في كافة المسائل وهذه مسألة يجب أن تعالج.

وأيضًا المشكلة الأخيرة ربما هي مشكلة فوضى السلاح المتواجد في الغرب الليبي (أكثر من 20 مليون قطعة سلاح وفق احصائيات الأمم المتحدة).

 الحمد لله أنتم تشاهدون اليوم لا يوجد أي سلاح منفلت، لا يوجد سلاح خارج شرعية الدولة،  أنا من العاصمة طرابلس ولكن للاسف طرابلس لا تزال للاسف اليوم مختطفة من قبل مجموعات مسلحة، ونريد عودة الدولة وعودة المؤسسات وأن تكون هناك مصالحة شاملة لا غالب ولا مغلوب..أنصار النظام السابق، أنصار الملكية، أنصار الكرامة، كل الأفكار مرحب بها ولكن في إطار دولة القانون، السلاح مرفوض، السلاح يجب أن يكون في المتحف ولا غير رجعة.

 

• هل هناك رؤية موحدة تتشكل بينكم وبين جامعة الدول العربية للمرحلة القادمة؟ وهل تقدمتم بمقترحات محددة في هذا الصدد لتفعيل الدور العربي؟

ج: بكل صراحة، جامعة الدول العربية في وضعها الراهن بحاجة ماسة إلى إصلاح هيكلي شامل؛ فعلى الجامعة أن تبادر بإصلاح أوضاعها الداخلية وتحديث نظامها الأساسي فهي مع الأسف مرتهنة لإرادات وتجاذبات سياسية متباينة. نحن نأمل ونتمنى أن تطلع الجامعة بدورها القومي الحقيقي؛ فنحن جزء أصيل من منظومة جامعة الدول العربية ومن هذا الكيان الجماعي.

فيما يتعلق بالمقترحات، نحن لم نبتكر العجلة؛ فالمقترحات والأفكار قدمت مراراً وتكراراً، وأدبيات الإصلاح المطلوبة مكتوبة وموجودة بالفعل داخل أروقة الجامعة، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن كل هذه الإصلاحات تفتقر إلى التفعيل والنية الصادقة لتطبيقها.

على سبيل المقارنة، تجد الاتحاد الأفريقي—وهو جوارنا الإقليمي—يعقد قمتين سنوياً على مستوى قادة ورؤساء الدول لمتابعة الملفات القارية، بينما نجد أنفسنا في منظومة جامعة الدول العربية عاجزين عن الارتقاء بمستوى التعامل والتصدي للقضايا المصيرية؛ مثل القضية الفلسطينية، أو القضايا والأخطار التنافسية والأمنية التي تهدد دول الخليج العربي وغيرها من الملفات الساخنة. نحن لليوم نعيش منطق "ردة الفعل" ولسنا صناعاً للفعل السياسي المبادِر.

ورغم هذا الجمود، فنحن متفائلون مع وجود القيادة الجديدة نبيل فهمي الأمين العالم للجامعة العربية ، متفائل بقيادته لتغير الأوضاع نحو نهج أكثر فاعلية ورؤية أكثر شمولاً وتأثيراً، ونتمنى للجميع التوفيق في مهامهم.

س: هل هناك خطوات ملموسة على الأرض تعكس تقدماً حقيقياً نحو إنهاء الانقسام المؤسسي؟

ج: بكل تأكيد، إن التوافق الأخير بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على اعتماد ميزانية موحدة يمثل خطوة فارقة ومحورية نحو توحيد كافة مؤسسات الدولة الليبية وتوجيه الموارد لخدمة كافة أبناء الشعب الليبي في إطار توزيع عادل ومستدام.

و المبعوثون الأمميون المتعاقبون يركزون  على إدارة الأزمة  بدلاً من حلها، ولذلك ندعو اليوم إلى منح القارة الإفريقية وعمقنا الإفريقي دوراً أكبر وأكثر فاعلية في مسار الحل الشامل.

 

س: أثرتم مؤخراً مسألة عمل المنظمات الدولية داخل البلاد، ما هي محددات ضوابط عملها في ليبيا؟

ج: موقفنا صارم وحاسم في هذا الشأن؛ لن نقبل بأي شكل من الأشكال أي نشاط أو برنامج لمنظمات دولية تعمل من خارج الأراضي والدولة الليبية. السيادة الوطنية خط أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي غطاء أو مبرر.

س: ما هي رسالتكم للشركاء الدوليين بخصوص ملف الهجرة الشائك؟

ج: قضية الهجرة في الأساس هي قضية عالمية؛ إذ ليست قضية الليبيين وحدهم. هناك أطراف أساسية يجب أن تكون شريكة في هذا العمل: دول المصدر، ودول العبور، ودول المقصد. للاسف الشديد نحن ضحايا في منطقة المتوسط—سواء مصر، ليبيا، تونس، الجزائر، أو المغرب وموريتانيا—يريدون منا الأوروبيون أن نكون شرطياً لهم في المتوسط، وهذه مسألة مرفوضة تماماً.

من يريد حلاً لمقاربة الهجرة عليه أن يجلس مع هذه الأطراف (دول المصدر، ودول المعبر، ودول المقصد) والعمل نحو مقاربة جديدة لا تقوم على المقاربة الأمنية، بل تقوم على مقاربة تشاركية.

في ليبيا نحن قمنا بجملة من الإجراءات؛ هذا الأسبوع عقد دولة رئيس الوزراء اجتماع هام بخصوص موضوع الهجرة وموضوع تنظيم التبعية والعمالة، وسيجري تفعيل المنافذ البرية الجنوبية خاصة مع دول الجوار: الجزائر، تشاد، والنيجر. وأبضًا هناك تعاون وتنسيق مع الشقيقة مصر في هذا الملف.

س: شاركتم في مؤتمر العدالة والإصلاح ببنغازي، ما هي الرسالة التي أردتم إيصالها بخصوص الملف الأمني وإعادة تنظيم السلاح؟

ج: رسالتنا واضحة؛ الأمن والاستقرار هما الركيزة الأساسية لتطبيق القانون وبناء دولة العدالة، فغياب الأمن يعطل القانون ويوقف عجلة التنمية تماماً. أما بخصوص فوضى السلاح المنفلت فنحن في مناطق سيطرتنا لا يوجد سلاح خارج شرعية الدولة

وأكدت أن العدالة هي ثمرة سيادة القانون في ظل دولة المؤسسات، ولا تزدهر إلا بأساس متين من الأمن، معتبراً أن نجاح المؤسسات العقابية يُقاس بقدرتها على الإصلاح وصون كرامة الإنسان وفق المعايير الدولية والخصوصية الوطنية. ونحن ملتزمون بتحديث هذه المنظومة عبر عمل تشاركي وتبادل للخبرات، وأعرب عن تقديري البالغ لرعاية الفريق أول ركن صدام خليفة حفتر لهذا المؤتمر الدولي.

س: ما هي أولويات وزارة الخارجية الحالية فيما يخص الجاليات والمواطنين الليبيين في المغترب؟

ج: قمنا بإصدار توجيهات مشددة ومستمرة لكافة بعثاتنا الدبلوماسية لمتابعة قضايا المواطنين الليبيين الموقوفين أو المحكومين خارج البلاد. حماية حقوق المواطن الليبي في الخارج هي جزء لا يتجزأ من كرامة الدولة بالداخل، ولن نتوانى عن تقديم الدعم القانوني والقنصلي الكامل لهم.