بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حين ترسب الوزارة .. ثم تُعلن نجاح الطلاب !

 

إن رسوب الطلاب في مواد الهوية مسؤولية منظومة، لا مسؤولية جيل.
قد يرسب طالب، وقد ينجح آخر، وقد تختلف مستويات التحصيل بين جيل وآخر. لكن الأخطر من رسوب طالب هو أن ترسب المنظومة نفسها في أداء رسالتها، ثم تبحث عن طريقة لإخفاء هذا الرسوب بإعلان نجاح الجميع.
فالامتحان ليس مجرد ورقة أسئلة، وإنما هو الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة تبدأ بالمناهج ثم عدد الحصص، ثم كفاءة المعلم، ثم متابعة التنفيذ، ثم عدالة التقييم .. فإذا اختلت الحلقات السابقة جميعها، أصبح الامتحان شاهداً على خلل المنظومة، لا على تقصير الطالب وحده.
ما حدث في مواد الهوية الوطنية - اللغة العربية والتربية الدينية - يفرض على الجميع وقفة جادة ؛ فحين يرسب عدد كبير من طلاب المدارس الدولية في مواد يفترض أنها تمثل أساس الانتماء الثقافي والقيمي، فإن السؤال الحقيقي لا يكون: لماذا رسب الطلاب؟ 
بل: كيف وصلنا إلى هذه النتيجة أصلاً؟
لقد سمحت السياسات التعليمية عبر سنوات بأن تتراجع مكانة اللغة العربية والتربية الدينية داخل كثير من المدارس خاصة الدولية وبعض المدارس الخاصة، حتى أصبحت هاتان المادتان في نظر كثيرين مجرد عبء شكلي لا يؤثر في مستقبل الطالب، بينما انصب الاهتمام كله على المواد الأجنبية .. ولم يكن ذلك نتيجة قرار داخل مدرسة بعينها، بل نتيجة غياب الحسم في وضع حد أدنى ملزم من الحصص، وآليات رقابة تضمن أن تُدرَّس هاتان المادتان بالجدية نفسها التي تُدرَّس بها بقية المواد.

وعندما ظهرت النتيجة، لم نسمع عن مراجعة شاملة للسياسات التي أوصلتنا إليها، ولم يصدر قرار يعالج جذور المشكلة، بل كان الاتجاه إلى عقد امتحانات ملاحق جماعية انتهت إلى نجاح الجميع تقريبا ً، وكأن المطلوب إزالة أثر الأزمة، لا إزالة أسبابها.
وهنا يتحول النجاح من قيمة تعليمية إلى وسيلة إدارية لإغلاق الملف، بينما تبقى المشكلة الحقيقية قائمة كما هي.

إن الطالب لا يتحمل مسؤولية نقص الحصص، ولا غياب المتابعة، ولا ضعف الاهتمام المؤسسي بمادتي اللغة العربية والتربية الدينية .. فمن غير المنطقي أن نطالبه بتحمل نتائج تقصير منظومة لم توفر له أصلا ً البيئة التعليمية الكافية !!!

إن بناء الإنسان لا يتحقق بإتقان اللغات الأجنبية وحدها، ولا بالتفوق في الرياضيات والعلوم فقط، وإنما يتحقق أيضا ً بامتلاك لغة وطنه، وفهم تاريخه، والاعتزاز بثقافته، واستيعاب منظومته القيمية. فهذه ليست مواد تكميلية، وإنما هي التي تمنح الشهادة معناها، لأنها تمنح صاحبها هويته.

إن الدول لا تُبنى بالمهارات وحدها ؛ وإنما تُبنى حين تجتمع المهارة مع الانتماء، والمعرفة مع الهوية، والتقدم مع الحفاظ على الشخصية الوطنية. 
ومن يفصل التعليم عن الهوية، يصنع أجيالا ً قد تنجح في الامتحانات، لكنها تبتعد تدريجياً عن جذورها الثقافية والحضارية

ومن هنا فإن القضية لم تعد قضية امتحان، ولا نتيجة، ولا نجاح، ولا رسوب، بل أصبحت قضية أمن ثقافي ومستقبل وطني .. وإذا كان الدستور المصري قد أكد أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، وأن الهوية الوطنية ركيزة من ركائز المجتمع، فإن الحفاظ عليها يبدأ من المدرسة قبل أي مكان آخر.
ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإعلان نسب النجاح، وإنما فتح مراجعة حقيقية للسياسات التعليمية التي أوصلتنا إلى هذا المشهد، وإصدار قرارات ملزمة تضمن عددا ً كافيا ً من حصص اللغة العربية والتربية الدينية في جميع المدارس الحكومية والخاصة والدولية، مع رقابة فعلية على تنفيذها، وتأهيل المعلمين، وإعادة الاعتبار لهاتين المادتين داخل العملية التعليمية.
كما أتمنى أن تتبنى الأحزاب السياسية هذا الملف، وأن توجه هيئاتها البرلمانية في مجلسي النواب والشيوخ إلى تقديم طلبات إحاطة ومناقشات عامة للحكومة، ليس بحثا ً عن إدانة أحد، وإنما لضمان ألا يتكرر هذا المشهد مرة أخرى .. فالقضية تتجاوز نتيجة امتحان؛ إنها تتعلق بمستقبل أجيال كاملة، وباللغة التي توحد المصريين، وبالهوية التي تحفظ للأمة شخصيتها.
فالوزارة تستطيع أن تعلن نجاح الطلاب في كشوف النتائج، لكنها لن تستطيع أن تعلن نجاح منظومة التعليم ما لم تنجح أولاً في أداء رسالتها .. لأن أخطر أنواع الرسوب هو رسوب المنظومة، بينما تظن أنها نجحت.